سورية وملامح الدستور الجديد … بقلم المحامي أحمد صوان

عِند كلّ تحوّلٍ ثوريٍّ في العالم يَتجهُ تفكير السّاسة الجُدد للملامحِ الدستورية للدولةِ الجديدة , فالدُستور هو أهمَّ ركائزِ بناءِ الدولة .
و لمّا كانَ الدّستور هو العَقْد الاجتماعيّ الجديد و هو الضّابط للخياراتِ الأساسيّةِ : فإنه يسْــــتلزمُ بالدرجة الأولى التوافقَ الوطنيَّ الشَّامل حول الملامحِ العامة لدولةِ المُستقبل .
و رُغم أهميته الفائقة و ضرورة السّرعة بإنجازِهِ … لتتمكّن السُلطة الجديدة من الإقلاعِ الناجحِ و المتوازن بمهامِّها …. إلّا أنّ هناكَ الكثيرين من فُقهاءِ القانون من يُحبِّذُ التّريُّث في إعدادِ الدستور الدائم .. لمُقتضيات عديدة .. ســـنفصِّل الحديث فيها لاحقاً , حيث يفضّلُ هؤلاءِ : أن يتم التوافق على إعلانٍ دستوريٍّ , أو دستورٍ مؤقّت محدّدَ المدّةِ و الهدف . و عليه فان انجاز الدستور هو استحقاق لا بد من انجازه …. لكن الحيرة بتحديد الخطوة الأولى هي التي تربك المعنيين بهذا الشأن .
ومن خلال رصد ما يكتب في هذا السياق وما يثار بالندوات المخصصة لمناقشة الرؤى الدستورية لسورية المستقبل نرى تباين الآراء و تمحورها لاختيار أحد المســـــــــــــارات التالية :
(1) – دستور مؤقت .
(2) – إعلان دستوري .
(3) – دستور دائم تأسيسا على دستور 1950 .
(4) – دستور دائم تأسيسا على دستور 2012 .
(5) – دستور دائم انطلاقا من خيار الورقة البيضاء .
==–==–==–==–==–==–==–==–==–
(1) – الدستور المؤقت :
=-=-=-=-=-=-=-=-=
يرى الكثيرون أن من الحكمة وضع دستور مؤقت , لأنَّ كتابةَ الدّستورِ الدائم في المرحلةِ الانتقاليةِ هو خطأٌ كارثيٌّ , ومن مُقتضياتِ التَّريُّث أنّ الرؤى السياسية لنظام الدولة و الحكم لم تتجسَّد في مسارٍ توافقيٍّ محدّد , كما أن الحِكمةَ تقتضي تأجيله : خشيةَ أن يكرّسَ الإصرارُ على سرعةِ إنجازهِ تعميقَ الخلافات ووصول الأطرافِ إلى الطريقِ المسدود .
كما أن الأخذَ بخيارِ الدستور المؤقّت في المرحلة الانتقالية يعدّ اختبارا لهذا الدستور إذْ يضع نصوصه على المحكّ لمعاينتها على أرض الواقع و مدى توافق مكونات المجتمع على اعتمادها ..و بهذا يتسع المجال أمام الدولة للتعديل و الإضافة , كما يتاح لمؤسسات المجتمع المدني و لمختلف القوى السياسية فرص إقامة الندوات و الحوارات لمناقشة مفردات الدستور , وإنها فرصة لاطّلاعٍ العامَّةِ على المفاهيمِ الدّستوريّةِ و تَداوُل مصطَلَحاتِها ..ممّا يُسَرِّعُ بولادة الدّستور الدّائم على أُسُسٍ ديمقراطية سليمة .
(2) – الإعلانُ الدستوريُّ
=-=-=-=-=-=-=-=-=
تعريفه : هو دستورٌ مصغّرٌ يصدر في حالاتِ الثورات والأوضاعِ الاستثنائيةِ التي تَسقط فيها الدساتير .
و يعرّفه آخرون بأنّه نصٌّ تنظيميٌّ يحدِّدُ أســـــلوبَ كتابةِ الدستور , أي أنّهُ خارطةَ الطّريِقِ التي تنتهي بكتابةِ الدّستور . فهو لا يَعدو كَونه :خُطوة تمهيديّة يتم التّوافق على بنودها : للشّروع بكتابة الدستور وِفق الآليّة التي تنصّ عليها .
و يَنظر البَعضُ إلى الإعلانِ الدستوري بوصفِهِ انقلاباً على دستورٍ قائم .و بالتالي هو مجرّد خطة زمنية دقيقة لوضعِ دستورٍ جديد …. كما حصل مؤخرا في ( اليمن و مصر ) و أن شرعيّة الثورة وشرعيّة الانقلاب هما مصدر الإعلان الدستوري ويرى آخرون أن من يُصدره هو رئيسُ الدولة المنتخب بعد أدائِهِ لليمين الدستورية .
– إنّ الإعلان الدستوري قاصرٌ فهو لا يلبي حاجَةً و لا يملأُ فَراغا .. مما يجعل الكثيرين لا يُحَبِّذُه في أيّة مرحلةٍ من مراحلِ تكّون الدولة .
(3) – دستورٌ دائم تأسيسا على دستور 1950
=-=-=-=-=-=-=-=-==-=-=-=-=-=-=-
تتعالى الأصوات الداعيةُ لاتّخاذ دستور 1950 ركيزةً دستوريةً مؤقتةً للمرحلة الحالية و أساساً معتمداً للبناء عليه عند صياغةِ الدستور القادم .
و لمّا كان تاريخ الشعوب يُقرَؤ من دساتيرها فإن من الوفاء النظر بجدّيّة إلى أول انجازٍ دستوريٍ لسورية المستقلّة حديثاً و هو دستور 1950 و ذلك تمكيناً للأحفادِ للإفادة من تراثِ الأجدادِ .على أنّ الإفادةَ و الاقتباسَ لا تعني اقتفاءَ الأثر و إنما دراسة التاريخ استخلاصاً لتجارب الأجداد .
– مقتضياتُ اعتماد دستور 1950:
يقولُ أصحابُ هذا الرأي لقد كان هذا الدستورُ سابقاً لزمانه بل كان يشار إليه كأحدِ الدساتيرِ المتطورة على مستوى العالم لجهةِ احترامِه لمبدأ المواطنة ..و الحفاظ على حريّةِ الفردِ و إنصافه للمرأة , و اهتمامِهِ بالشّأنِ الاقتصاديّ , و احترامِهِ لحقّ المُلكيّة و إعطاءِ الحريّة للعملِ النقابي . و حِرْصِهِ على العدالة الاجتماعية و الاقتصاديّةِ لكل المُكوّنات و تأكيده على حقّ المواطن بالعَمَل و الضّمان الاجتماعي , و لاعْتمادِهِ نظاماً انتخابياً ديمقراطياً يحقّقُ التمثيلَ العادل … هذا الدستور الذي كان يقدّسُ الحريّات الشّخصية بالحدّ من تَغَوّل السلطة في التوقيفِ و تفتيشِ المنازل و الاعتداء على الحريات , ولعل المادتين /9/10/ تعطيانِ أنصَعَ صورةٍ عن دستورٍ حضاريٍّ يقدّس مفهوم المواطنةِ و يمنحُ فضاءً واسعاً من الحرية لتشكيلِ الأحزاب ..
– و لكن و بالمقابل فان هناكَ رأيا مناقضا لهذا الاتجاه .. يرى أن ستين سنةٍ تفصُلنا عن هذا الدستور تكفي لاعتبارِهِ تُحفة تاريخية تصلح للحفاظ عليها بالمتاحِف ..
– يقول الكاتب دهام حسن :
الدعواتُ الكثيرةُ الداعيةُ للعودةِ إلى العملِ بدستور عام 1950 أي العودة بالتاريخ إلى الوراء أكثر من نصف قرن في ظل التقدم المُتسارع للأمم ..فهل مثل هذه الدعوات تعد خطوة إلى الأمام؟ أم أن التاريخ حكم علينا أن نظل في عربة الماضي؟ أو بالأحرى على متن سفينة الصحراء، نحدو آخر الناس، و عندها لن تنتظرنا القوافل السائرة لمُبتغاها المَنشود..!
(5) – دستور دائم تأسيساً على دستور 2012
=========================
يرى البعض أن بناء الدستور السوري الجديد تأسيسا على نصوص دستور 2012 يعتبر خيارا معقولا ، لجهة اختصار الوقت . و لأن هذا الدستور بعد تعديله يتضمن في مجمله أساسا مقبولا للدستور الجديد .
لكن إعادة القراءة المتأنية لهذا الدستور , و الذي تم تفصيله على قياس ( رئيس سلطة الاستبداد ) . تؤكد عدم صوابية هذا الخيار .
لأن دستورا لا يحترم مبدأ فصل السلطات و يمنح الرئيس صلاحيات لا تحدها حدود . لا يصلح أساسا للبناء عليه .
يحتوي دستور 2012 على صور متباينة لملامح تغول السلطة التنفيذية على حق المواطن في كل المجالات حيث يتمتع الرئيس بموجب دستور 2012 بصلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة، على كل الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية ومن ذلك :
=-=-=-=-=-=-=-=-==-=-=-
أن رئيس الجمهورية هو الذي يسمي رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم ويقبل استقالتهم أو يقيلهم وهو الذي يحيلهم إلى المحاكم أيضا كما أنه يحدد السياسة العامة للدولة مع مجلس الوزراء و لا يكتفي بذلك إنما يحتفظ بحق ترؤس مجلس الوزراء حين يريد ذلك ، وهو الذي يحوز الحق بالاعتراض على القوانين التي يصدرها مجلس الشعب كما أنه يصدر المراسيم والقوانين والأوامر . كما يعلن الحرب والتعبئة العامة ويعقد الصلح وهو الذي يعلن حالة الطوارئ ويلغيها .و هو الذي يستولي على منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة ويصدر جميع القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة . ويعين الموظفين المدنيين والعسكريين وينهي خدماتهم و هو الذي يحل مجلس الشعب . بمشيئته المطلقة وهو الذي يتولى التشريع خارج دورات انعقاد مجلس الشعب!! وأثناء انعقاده أيضا !!!!
وهو الذي يرأس مجلس القضاء الأعلى , وهو الذي يسمي أعضاء المحكمة الدستورية –
و رئيس الجمهورية : فوق كل ذلك غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها إلا في حالة الخيانة العظمى.
من خلال استعراض متن هذا الدستور نجد أنه لا معنى لفصل السلطات واستقلاليتها .، ولا وجود للمساواة بين السوريين، بل ولا معنى للحياة السياسية، طالما أن الحزب الذي يمكن أن يفوز بالانتخابات لا يستطيع تشكيل الحكومة. ..
لقد تجاهل الدستور حقوق الأقليات القومية و لم يحظ ملف الأقليات بأدنى اهتمام بل اكتفى بإشارات عابرة في مقدمته عن وجود مكونات للشعب السوري ، و أن هناك تنوعا ثقافيا في البلاد، دون أن يسمي هذه المكونات الثقافية والتي هي في حقيقتها مكونات قومية، وليست ثقافية فحسب، ولها بالتالي حقوق قومية كان ينبغي الاعتراف بها بنصّ الدستور . –
مما سبق و من حيث النتيجة : نرى أن هذا الدستور لا يصلح بأي وجه من الوجوه ليكون أساسا لوضع دستور سوريا الجديد .
(5) – – دستور دائم انطلاقاً من خيار الورقة البيضاء
=-=-=-=-=-=-=-=-==-=-=-=-=-=-=-=-=–
مصطلح (الورقة البيضاء ) يعني البدء بكتابة الدستور على ورقة بيضاء : حيث لا تستند اللجنة الدستورية لأي دستور موضوع , و لا تنطلق من أي مشروع مقترح .
و عليه تتصدى اللجنة لمهمتها و هي تملك كافة الخيارات دون أن تتقيد بأية رؤية مسبقة .
ولا شَكّ أن خِيار الورقة البيضاء يُغري أية سلطة جديدة و خاصة حين تكون بِصددِ بناءِ منظومتِها بعيداً عن أي ارتباطٍ بالبنية السياسية للنظام السّابق .
لكن الانطلاق من خيار الورقة البيضاء يواجه العديد من المَطبّات :
منها المدة الزمنية الطويلة التي يحتاجها بناء الدستور دون أية تصورات يستهدي بها , مما يؤدي لعدم إنجازه بالموعد المضروب لذلك . أما الانطلاق من مسودة مشروع مقترح : فهي تُسرّع وتيرةَ الإنجاز , و تُيسّر تَحديد المَحاور المُتعلقة بكلّ موضوعٍ دستوريّ و تَجعل الاختيار من مُتَعَدّدٍ أسهلُ من ابتكارِ الصّياغات منَ البدء .
و اللّجنة هُنا غيرُ مُضطرةٍ ( لإعادةِ اختراعِ العَجَلة ) .
. =-=-=-=-=-=-=-=-==-=-=-=-=-=-=-=-=
– أخيراً .. ســَـتَبْقى الفَضاءاتُ المَفتوحةُ لِكلّ الخِيارات تّغري الكثيرينَ للخَوْضِ في تحْديدِ مَلامحِ الاستحقاقِ الأهَمّ لِمُستقبلِ سُوريا الجَديدة ألا وهُو الدُستورُ القَادم .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.