نظام الأسد وجريمة بيع الوطن .. مقال للزميل أحمد صوان في صحيفة كلنا سوريون

 

لم يكتف بشّار الأسد بتحويل الوطن إلى حطام وأنقاض، ولم يشبع نهمه بما اقترفته سلالته الأسديّة المجرمة من نهب سورية عبر العقود الماضية، وها هو اليوم يسعى لبيع مستقبل سورية وتكبيل الأجيال المقبلة بالديون لعشرات السنين القادمة.

في عام 2012 عرض النظام على الصين – وهي المتخصّصة في شراء السندات –  بيعها سندات خزانة بقيمة عشرة مليارات دولار، فتمّ لها ذلك،  وقامت بتوريد أسلحة  لقاء جزء من هذه المبالغ. كما باع كلّاً من إيران وروسيا سندات بقيمة عشرة مليارات أخرى. كذلك باع حكومة “المالكي” سندات خزانة لم تكشف قيمتها الحقيقيّة.

يقول الكاتب “محمّد كركوتي” عندما تشتري روسيا سندات خزانة سورية، فهي تقتل الشعب السوريّ ثلاث مرّات، سياسيّاً من خلال وقوفها سدّاً في وجه أيّ قرار يصدر عن مجلس الأمن الدوليّ ضدّ الأسد وأعوانه، وعسكريّاً عن طريق الإمدادات الحربيّة المتواصلة له، واقتصاديّاً بسندات الخزانة المسروقة من أموال السوريّين الذين يعانون العوز، ويعيش الكثير منهم على أموال الإغاثة.

ماذا تعني سندات الخزانة؟

هي سندات تطرحها الدولة للاكتتاب العامّ، وتعتبر بمثابة قروض تحصل عليها الحكومة من الأفراد أو الشركات أو البنوك، وتبغي الدولة من ذلك تمويل المجهود الحربيّ، وتسمّى “قروض الحرب”، وأحياناً تهدف لتمويل عمليّات التنمية الاقتصاديّة وتسمى “قروض الإنتاج”؛ والسند هو قرض مديد الأجل يتيح لمن اشتراه الحصول على فائدة سنويّة.

ما هي مسوّغات الدول لإصدار سندات الخزينة؟

في حال عجز الدولة عن تغطية نفقاتها من مواردها، تلجأ إلى الحلول الإسعافيّة لمعالجة مشاكلها الماليّة، ولكنّه عبارة عن عمليّة تأجيل وترحيل للأزمة وتحميل العبء الاقتصاديّ للأجيال القادمة، التي ستدفع هذه القروض مع الفوائد في المستقبل. ولا شكّ أنّ نظام الأسد يقترض اليوم لا بهدف الاستثمار ولا بغية بناء الاقتصاد السوريّ، بل لتزويد آلة القتل والدمار بمزيد من السلاح والعتاد لقهر الشعب.

ودون شك، فإنّ تبعات بيع سندات الخزانة، ستتمثّل بتكبيل الشعب السوريّ، بمليارات إضافيّة من الديون، بعد أن استكمل هذا النظام وقبله نظام والده، خراب الاقتصاد الوطنيّ السوريّ على مدى أكثر من أربعة عقود.

هذا جانب واحد ممّا يقوم به النظام المجرم من رهن مقدّرات البلد، وربما كانت العقود الخفيّة والامتيازات المستورة التي يمنحها لإيران وروسيا لقاء استمرارهما بدعمه، ما سيكشفه المستقبل، وما يمثّل بيعاً حقيقيّاً للوطن.

لم يكن نظام الأسد أوّل الأنظمة المستبدّة التي رهنت الأوطان وباعت المقدّرات للأغراب، فتاريخ الطغاة واحد في أنحاء العالم؛ ولقد حظي موضوع الديون الظالمة ومدى مسؤوليّة الدول المدينة تجاه الدائنين باهتمام فقهاء القانون الدوليّ، الذين حاولوا وضع قواعد: (التوارث الدوليّ في الديون والمعاهدات) وتحديد مفاهيم الديون السياديّة والديون الكريهة والديون غير الشرعيّة. وهناك في العصر الحديث حالات مشابهة وسوابق موثّقة بين الدول، تمّ فيها إسقاط الديون عن الحكومات الجديدة التي تمكّنت من التنصّل من هذه الديون اللاشرعيّة.

المفهوم الدوليّ لمصطلح الديون اللاشرعيّة:

يعود استخدام هذا المصطلح للمرّة الأولى إلى المحكمة الفيدراليّة الأرجنتينيّة، حين أطلقته وصفاً للديون المقترضة من قبل النظام الدكتاتوريّ بين عامي 1976- 1983، ثمّ استخدمته النروج في التسعينيّات، حين أوردته بدفوعها التي برّرت فيها التنصّل من بعض الديون التي اعتبرتها غير شرعيّة.

وقد حاول الباحث البريطانيّ “جوزيف هان لون” تحديد وصف منضبط لهذا المفهوم حين ميّز بين الغرض من الدين وشروط هذا الدين، وتوصّل بالنتيجة إلى توصيف أربع حالات نموذجيّة للقروض غير الشرعيّة:

1 – كلّ قرض تمّ منحه لدعم نظام استبداديّ.

2 – كلّ قرض تمّ منحه بمعدّلات ربويّة فاحشة.

3 – كلّ قرض تمّ منحه لدولة (هزيلة اقتصاديّاً) معروفة سلفاً بعجزها عن السداد.

4 – كلّ قرض تمّ منحه من صندوق النقد الدوليّ من الممكن أن تتسبّب شروطه القاسية والصارمة إلى عجز الدولة المدينة عن السداد.

أضاف بعض الفقهاء الحالتين التاليتين للديون اللاشرعيّة:

1 – إذا كان المقترض الذي يوقّع على عقد الدين غير مفوّض من السلطة العليا التي يحقّ لها إبرام عقد الدين.

2 – إذا لم تُتّبع القواعد الدستوريّة التي ينصّ عليها دستور البلد عند إبرام عقد الدين.

مفهوم الديون الكريهة:

تلجأ الأنظمة المستبدّة للحصول على الأموال الطائلة التي تحتاجها لقمع شعوبها إلى الاقتراض من أيّ مصدر وتحت أيّة شروط ظالمة، غير عابئة بمآل هذه الديون والكوارث التي تنتظر الأجيال القادمة.

وعليه، فإذا حصل نظام دكتاتوريّ على قرض ولم يكن الهدف منه تلبية مصالح الدولة وإنّما تقوية هذا النظام الاستبداديّ وقمع السكّان الذين يحاربون هذا الاستبداد فإنّ هذا الدين يعتبر كريهاً؛ ومبدئيّاً يكون غير ملزم للدولة، إنّما هو محسوب على النظام المستبدّ باعتباره ديناً شخصيّاً، وبالتالي فهو يسقط بسقوطه. ويمكن للحكومة أن تتخلّى على التزامات سابقتها لأنّ هذه الديون لا تستوفي واحدة من الشروط التي تحدد شرعيّة الديون، كون أنّ “المبالغ المقترضة باسم الدولة يجب أن تُستخدم في تلبية حاجات ومصالح الدولة”.

انتشر هذا المفهوم في عام 1927، بعد أن استخدمه أستاذ القانون الدوليّ بجامعة باريس “نعّوم ألكساندر ساك” وهو وزير روسيّ سابق. فيما بعد تكرّس هذا المفهوم على يد الفقهاء القانونيّين: باتريسا آدامز، وجوزيف هان لون، وجيف كينغ، وبيريان توماس. وأجمعوا على تحقّق الشروط التالية مجتمعة لكي يعتبر الدين كريها:

  • انعدام موافقة الشعب.
  • عدم تحقّق المصلحة العامّة للسكّان.
  • معرفة الدول المقرضة سلفاً بسوء نيّة السلطة المقترِضة.

الأثر المترتّب على الدين الكريه:

يترتّب على اعتبار الدين كريهاً: سقوط هذا الدين عن السلطة الجديدة.

يقول “نعوم ألكساندر ساك”: إذا قامت دولة غنيّة بمنح قرض مع أنّها تعرف النوايا الحقيقيّة للمقترضين فإنّها تقترف بذلك “عملاً عدائيّاً ضدّ الشعب” وتعرّض نفسها لخسارة القرض، إذا تمّ خلع هذا النظام الدكتاتوريّ، فالدين الكريه هو دين باطل ولا يمكن المطالبة باسترجاعه بعد سقوط النظام المستفيد منه.

لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة، لأنّه إذا كان من السهل تحديد دلالة “نظام مستبدّ” فإنّه من الصعب تحديد مضمون دقيق لفكرة الديون الكريهة؛ لهذا يشدّد أصحاب هذا الطرح على تحميل الدائنين مسؤوليّاتهم في هذه الديون بدل تحميل المدينين وحدهم مسؤوليّة المديونيّة المفرطة والالتزام بسدادها.

التوعية بمخاطر الديون الكريهة واللاشرعيّة على مستقبل سورية:

إنّ واجب المنظّمات الحقوقيّة يتمثّل بتسليط الأضواء على مخاطر المديونيّة التي تهدّد بدمار اقتصاد سورية. وهو لا يقلّ عن خطر الدبّابة والطائرة التي تدمّر البشر والحجر.

وللإحاطة بهذا الموضوع، لا بدّ من البحث بمفهوم التوارث بين الدول على قواعد القانون الدوليّ، وكذلك عرض بعض التجارب الدوليّة التي تمّ فيها إسقاط الديون الكريهة واللاشرعيّة عن الدول المدينة.

المراجع:

1 – مقال (الديون الكريهة) للبريطانيّ “جوزيف هانلون” ترجمة “رشيدة الشريف” 2010

2- بحث (التوارث الدوليّ بالديون) د. محمود الحجازي و أ. إبراهيم العريني.

3 – مقال (الديون الخارجيّة بين الإطفاء والتسديد) د. وجيه العلي.

4 – كتاب (آثار التوارث بين الدول على قواعد القانون الدوليّ) د. أشرف وفا محمّد.

 

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.