مقالات

الأحد, 23 حزيران/يونيو 2019 08:31

السوريون ليسوا عالة .. هم يعملون لايتسولون \ إضاءة على أوضاع اللاجئين السوريين \ المحامي غزوان قرنفل - المحامي محمود خليل

السوريون ليسوا عالة

هم يعملون .. لا يتسولون .

 

المحامي غزوان قرنفل      رئيس تجمع المحامين السوريين

المحامي محمود خليل      مسؤول ملف اللاجئين في تجمع المحامين السوريين .

                                  ( ومدير تنفيذي لمركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الانسان ) 

 

   قبل يومين كان اليوم العالمي للاجئين ( 20 حزيران من كل عام ) وهو المخصص لاستعراض معاناة وقضايا ومشاكل اللاجئين والأشخاص الذين تتعرض حياتهم للتهديد والخطر في أوطانهم بهدف تلمس معاناة هؤلاء والبحث عن السبل المثلى للاستجابة لحاجات وتقديم مختف سبل العون والمساعدة لهم بصفتهم بشرا يتمتعون أو يفترض أن يتمتعوا بحقوق تحفظ لهم آدميتهم وتحافظ على كرامتهم الإنسانية .

   وتمثل مشكلة اللجوء السوري أكبر وأضخم أزمة لجوء في العالم وعبر التاريخ .. اذا لم يسبق نهائيا أن أجبر نصف شعب دولة و تحت وطأة القتل اعتقالا وتعذيبا وقصفا بمختلف صنوف الأسلحة المباح منها والمحظور دوليا على النزوح أو اللجوء تلمسا لمساحة جغرافيا يأمن فيها على نفسه وعرضه  ،  لكنه بكل أسف حصل مع السوريين في الألفية الثالثة وفي زمن عنوانه الرئيس "حقوق الانسان " وتحت سمع وبصر العالم أجمع الذي يتبجح بتلك الحقوق دون أن يتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية التي تحفظ للسوريين حقوقهم كبشر .

   وفي هذا السياق لابد بداية من التأكيد على أن مسألة اللجوء والحق في الحماية هو مركز قانوني يستحق الحصول عليه كل من اضطر لمغادرة بلده مكرها بحثا عن ملاذ يأمن فيه على نفسه وأسرته تحت وطأة تهديد أمني وشيك يمسه شخصيا أو يمس عائلته أو تحت وطأة أعمال عسكرية وعمليات قتالية تشكل تهديدا لحقه في الحياة وسلامته البدنية والنفسية وبالتالي فاللجوء هو حق قانوني شرعته اتفاقية حقوق اللاجئين منذ العام 1951 كما شرعته قبل ذلك الشرعة الدولية لحقوق الانسان والعديد من الاتفاقيات والمبادئ والعهود الدولية وبالتالي فاللجوء هو حق قانوني وليس هبة أو منــّـة من أحد .. ويرتب على الدول التزامات قانونية ومالية وأمنية تجاه طالبي الحماية أو اللجوء .

   لأسباب مختلفة لم توقع الدول التي تحتوي على الثقل الرئيس من اللاجئين السوريين ( الأردن – لبنان – العراق – تركيا – مصر ) على اتفاقية حقوق اللاجئين للعام 1951 باستثناء تركيا ولكن كان لديها تحفظ جغرافي بشأن من تنطبق عليه تلك الاتفاقية ومع ذلك واستجابة لحاجات تنظيم شؤون اللاجئين السوريين فيها وقوننة وجودهم وتنظيمه أصدرت في العام 2014 قانون الحماية الثانوية بينما لم تفعل ذلك الدول الأخرى وتركت السوريين ( خاصة في لبنان ) نهبا لأمزجة وقرارات اداراتها المرتجلة ولم تجعل لهم مرجعية قانونية تنظم وجودهم وتكسبهم مركزا قانونيا فيها يحتمون به من عسف سلطاتها وتعسف قراراتها رغم أن كل تلك الدول تتلقى مليارات من الدعم المالي المخصص للاجئين السوريين فيها .

      المؤسف أن تحل اليوم هذه المناسبة ( اليوم العالمي للاجئين ) وسط بيئة وخطاب يضج بالعنصرية تجاه اللاجئين السوريين خاصة في لبنان وتعامي غير مفهوم وغير أخلاقي عن أوضاع واحتياجات النازحين السوريين بحدودها الدنيا ، على الرغم من أن اللاجئين السوريين لم يكونوا قط عبئا مرهقا على الدول المستضيفة وهذا ما تؤكده  الدراسات والاحصائيات الرسمية الصادرة عن هيئات ومنظمات حكومية وغير حكومية محلية ودولية .

   ولنبدأ أولا في استعراض الأثر من لبنان الذي ترتفع فيه اليوم كثيرا نبرة العنصرية الفظة والتي تقف وراءها جهات وشخصيات سياسية كانت هي حتى الأمس القريب لاجئة في فرنسا هربا من بطش نفس السلطة التي يحاولون اليوم إعادة السوريين اللاجئين إليها لتفترسهم (!) .

   تلقى لبنان خلال السنوات الست المنصرمة 6 مليار دولار مساعدات مالية أممية لخدمة ملف اللاجئين السوريين والذي لا يتجاوز عددهم فيه مليون لاجئ  .

   يقول المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي ( ديفيد بيـزلي ) في شهادته أمام البرلمان البريطاني : كان الاقتصاد اللبناني على وشك الانهيار لو لم نقدم المال لهذا البلد مقابل وجود اللاجئين السوريين ، ويضيف ان ثلث المساعدات التي يتلقاها اللاجئون السوريون هناك يشترون فيها منتجات زراعية لبنانية والثلث الآخر يشترون بها منتجات مصنعة في لبنان بينما الثلث الثالث يشترون فيه منتجات عالمية من السوق اللبناني ) . وبالتالي .. فإن مجمل ما يتلقاه السوري يقوم بإنفاقه داخل السوق اللبنانية وهو ما يساعد ويدعم الدورة الاقتصادية .

   الجامعة الأمريكية في بيروت أصدرت في العام الماضي دراسة جاء فيها : ( أن السوريون يدفعون 400 مليون دولار إيجارات منازل سنويا .. وأنهم يضخون 1,5 مليون دولار يوميا في السوق اللبنانية ، وأنهم أتاحوا \ 12000 \ وظيفة للبنانيين ) .

  مع ذلك بكل أسف تحاول السلطات اللبنانية أن تلقي بكاهل فشلها السياسي والاقتصادي على قضية اللاجئين في حين أن هذا الفشل يسبق بسنوات طويلة وجود اللاجئين فيه .

   إن الأوضاع المذرية للاجئين السوريين في لبنان وتصاعد المواقف العنصرية تجاههم وبسلوك وسياسة حكومية ممنهجة توجب  على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إعادة النظر في أوضاعهم وإسباغ نوع من الحماية القانونية عليهم وتسهيل حصولهم على الهوية القانونية التي يفترض أن يتمتعوا بها وعلى كافة الوثائق والأوراق الرسمية والاقامات التي تتخذها السلطات اللبنانية ذريعة لترحيلهم قسرا إلى سوريا وإلقائهم في فك الأسد الذي نهش ذويهم ودمر ممتلكاتهم طالما أن هذه المفوضية تدفع أموالا طائلة للسلطات اللبنانية لرعاية شؤون هؤلاء اللاجئين مع العمل الدؤوب على تأمين موطن لجوء بديل لهم وممرات انتقال لجوء آمنة تقيهم شرور تلك السلطة العنصرية التي ترحلهم قسرا إلى بلدهم رغم الخطر الذي يحيق بهم بما يشكل انتهاكا فاضحا - يرقى لمستوى الجريمة – للقانون الدولي لحقوق الانسان وللإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي كان لبنان قبل أن يسطوا عليه الرعاع واحدا من الدول التي صاغت مضامينه  .. كما توجب على المنظمات الحقوقية ونحن في المقدمة منها إطلاق حملة مناصرة على مستوى دولي لقضيتهم تحرك هذا الركود والصمت العالمي القاتل .

  

   اللاجئين السوريين في تركيا تجاوز عددهم ثلاثة ملايين ونصف مليون لاجئ يسكن ربع مليون منهم فقط في مخيمات ( يجري الآن تفكيك تلك المخيمات والزام ساكنيها على الانتقال للمدن مع تقديم معونة مالية ) يتلقى حوالي نصف مليون منهم معونات مالية من المعونة الأوروبية وقدرها \ 120 \ ليرة تركي حوالي \35\ دولار شهريا للفرد الواحد بالإضافة لمجانية العلاج الصحي .. بينما يعتمد الباقون على مواردهم ورساميلهم وأعمالهم في العيش .

   بحسب جمعية رجال ورواد الأعمال السوريين في تركيا فإن اجمالي الاستثمارات السورية في تركيا حوالي مليار ونصف مليار دولار .

   فيما بلغ عدد الشركات السورية التي تأسست في تركيا منذ عام 2011 ولغاية شهر 11 للعام 2018 بحسب " وقف أبحاث السياسات الاقتصادية التركية "  \ 7.600 \ شركة  مرخصة بشكل قانوني .. كما وفر السوريون \ 100,000 \ مئة ألف فرصة عمل بحسب " مؤسسة التنمية البشرية التركية "  .

   وبالتالي فإن حوالي 3 مليون سوري يعملون وينفقون على أنفسهم وأسرهم حيث تبلغ مجمل إنفاقاتهم السنوية مالا يقل عن خمس مليارات  دولار .

   في تركيا لم يكن هناك حالة عنصرية قوية ضد السوريين .. لكن بطبيعة الحال ثمة مواقف عنصرية كثيرة ضدهم لأسباب مختلفة قليل منها يتصل بسلوك بعض السوريين وبعضها يتصل بالتضليل المتعمد الذي تضخ به بعض القوى السياسية معلومات مضلله لجمهورها حول تلقي السوريين من الحكومة رواتب مجزية وأنهم يدخلون الجامعات دون شهادات تؤهلهم لذلك (!) .

   مع ذلك تبقى معظم هذه المواقف جزءا من صراع سياسي وانتخابي أكثر مما هو موقف شعبي أو نهائي ضد وجود اللاجئين على نحو حاسم .

   ونعتقد أن مزيدا من الجهد في التواصل مع شرائح مجتمعية تركية ومنظمات مجتمع مدني وتفنيد تلك المزاعم كفيل بتخفيض منسوب هذه المواقف .

 

   في مصر يتكرر المشهد .. السوريون يحققون نجاحات مذهلة ، يعملون بدأب ويراكمون النجاح تلو النجاح بشهادة المصريين أنفسهم والكثير من المحطات التلفزيونية رصدت هذا النجاح .

   في مصر وبفضل شعبها لم يلق السوريون ما ينغص عيشهم ولم يعاملوا قط بعنصرية .. حتى المحاولة البائسة الأخيرة التي شككت بمشروعية أموال السوريين أخمدها المصريون برقيهم وحسن وعيهم .

 

   في أوروبا والغرب عموما قصص تفوق ونجاح السوريين على مختلف المناحي والصعد كثيرة ومفرحة لا يشوبها إلا بعض سلوكيات مشينة هي جزء طبيعي مما يمكن أن يصدمنا لكن يمكن تفهمه بالنظر لأنماط التربية المغلقة والقمعية التي تلقاها السوري ومستوى الوعي الذي يحمله وقدرته على الفكاك من بعض أفكار وقيم مغلوطة تجذرت في نفسه .

 

   السوريون لم يكونوا قط عالة على المجتمعات الملجئة  .. ينخرطون سريعا في سوق العمل ويسيرون بدأب على مسارات النجاح المختلفة وهم لايستحقون تلك المواقف العنصرية التي يجأر بها البعض تجاههم خصوصا أن أبوابهم  كانت على الدوام مشرعة أمام كل قاصد وأمام كل ملتجىء يلتمس أمنا وحماية ورزقا .. فمن عاش في وطن يضم أقدم مدينة في التاريخ وأقدم عاصمة لن يكون إلا كذلك ... ولن يكون إلا سوريا بامتياز .

  

قراءة 638 مرات