مقالات

الإثنين, 09 كانون1/ديسمبر 2019 07:27

سوريا.. من الأسدية إلى المدنية \ غزوان قرنفل رئيس تجمع المحامين السوريين

إن من مقتضيات الانتقال من الأسدية إلى المدنية أو الانتقال من دولة الاستبداد المتوحشة إلى دولة القانون والمواطنة تفكيك البنى العسكرية والأمنية التي تشكل الحامل الموضوعي والرافعة الأساسية لسلطة دولة العائلة "الطائفة".. ودون تحقيق هذا الشرط اللازم لن يتحقق أي تحول ديموقراطي حقيقي وملموس في بلد لطالما حكمته المافيات الأمنية والعسكرية خارج نطاق أي قانون طوال ستة عقود.

والحقيقة يمكنني القول أيضا أن تحقيق ذلك لا ينقل سوريا من كونها دولة استبداد محكومة بعصابة ممسكة بتلابيب السلطة من ألفها إلى يائها إلى دولة مدنية قوامها المواطنة وسيادة القانون فقط، وإنما ينقلها أيضا من طور التوحش والبدائية التي أخضع لها المجتمع السوري قسرا إلى طور المدنية والتحضر التي أمعن النظام فيها وفي منظوماتها القيمية والاجتماعية والاقتصادية خرابا حتى نقل المجتمع السوري من أعتاب التطور والريادة إلى قاع التفكك والانحلال والتحلل.

من هذا المنظور يمكننا الحديث عن مسار الحل السياسي للصراع في سوريا ومضمار العملية الدستورية التي يشتغل عليها الآن في جنيف. قد لا تكون العملية الدستورية حلا حقيقيا يحقق للسوريين بعضا من حقوقهم ومطالبهم التي دفعوا ثمنا كبيرا لها - وهو حقيقة كذلك - فليس بالدستور وحده يتحقق الانتقال الديمقراطي، وليست الانتخابات وحدها أيضا تجليا لهذا التحول المزعوم من دولة العصابة إلى دولة القانون فهذه كلها شروط لازمة لكنها غير كافية لإنتاج حل للمعادلة السحرية وهي كيف يمكن لهذه الأدوات أن تسخر لخدمة عملية التحول الديموقراطي والانتقال إلى ضفة السلامة الوطنية؟

  

 
ليس من المنطقي التسليم بصدور الدستور والاستفتاء عليه في ظل نفس السلطة التي هتكت عرض دستورها الذي فصلته على قد مقاسها

لكن وعلى الوجه الآخر أيضا فإن رجم أي مسعى للحل وشيطنته واعتباره تنازلا عن "ثوابت الثورة ودماء الشهداء" ورفع سقوف المطالب والتوقعات بلا أعمدة وحوامل موضوعية وذاتية لهذه السقوف يبقى ضربا من الشعبوية التي تسوق الأوهام وتتاجر بها، والتي ستؤدي لا محال لانهيار تلك السقوف لأنها أصلا لم تبن إلا على مجرد أماني بعيدا عن حقائق مآلات الصراع. تلك بالتأكيد ليست دعوة للتسليم بالهزيمة والانكسار والرضوخ الكلي وإنما دعوة للكف عن الندب والعويل والعمل بإيجابية وتضافر الجهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتحقيق الحدود المعقولة من مطالب السوريين التي تضمن خلاصهم من سلطة العصابة وتكفل لهم العيش الكريم الآمن الحر في ظل دولة قانون.

وإذا كنا من المؤمنين أن الدستور وحده – على فرض إنجازه – لا يحقق الحل المأمول لأسباب مختلفة ليس أقلها أنه استباق لما يوجب تأخيره إلى ما بعد انجاز الطرفين المتفاوضين عملهم الرئيس بالتوافق على صيغة "السلطة الانتقالية" التي هي جزء من خريطة الطريق الدولية التي رسمها الفاعلون الدوليون للسلام في سوريا والمعبر عنها بالقرار 2254 والتي يتعين عليها أن تنجز الاستحقاق الدستوري وتصدر ما يتوجب إصداره من قوانين لتنظيم العملية الانتخابية تحت إشراف أممي.

وكما ليس من المنطقي التسليم بصدور الدستور والاستفتاء عليه في ظل نفس السلطة التي هتكت عرض دستورها الذي فصلته على قد مقاسها، ولا في ظل ثقافة الخوف والرعب المخيمة على عموم المجتمع بسبب القبضة الأمنية المفرطة في إجرامها بحق من يحاول التفكير فحسب، فإنه ليس أيضا من المعقول والمنطقي أن تخاض الانتخابات التالية لإنجاز الدستور بنفس القانون الانتخابي الحالي الذي تم تفصيله ليعيد على الدوام انتاج نفس الأدوات السلطوية ويعيد تكرارها وهذا يدفعنا للسؤال عن الجهة التي سيناط بها تشريع قانون انتخابي جديد يراعي حسن تمثيل المجتمع السوري ومكوناته وقواه السياسية والمجتمعية ويحفظ حق مشاركة الجميع بما فيهم اللاجئين والنازحين وآليات تلك المشاركة وضوابطها ونواظمها ومقتضياتها القانونية ؟.. وهو سؤال مشروع يعيدنا بالضرورة إلى نقطة البدء.

    

أي وهم بحل سياسي دون العمل على تفكيك البنى السلطوية الرئيسة المعبر عنها بالمؤسستين العسكرية والأمنية وإعادة بنائها مجددا وفق أسس مختلفة لن ينجح

وكالة الأنباء الأوروبية
  

وهذا يعيدنا إلى التأكيد على أهمية العمل على إلزام الهيئة التفاوضية بالإصرار على فتح مسار تفاوضي مواز لعمل اللجنة الدستورية يبحث في شكل وآليات انتاج السلطة الانتقالية التزاما وانسجاما مع المحددات الدولية للحل السياسي في سوريا كما وردت في القرار الدولي رقم 2254 للعام 2015 وأن تعبر المعارضة صراحة عن رفضها لأي حل مبتسر يقتصر على دستور وانتخابات فحسب.. وهذا ما يوجب الاشتغال على تضمينه ضمن وثيقة مبادئ ملزمة للمعارضة السورية وفريق المجتمع المدني المصنف كمعارض للسلطة يتعهدون فيه العمل بشفافية ووضع الجمهور في صورة الأوضاع وتطوراتها دائما وتأكيدهم على أنهم لن يلتزموا أو يوقعوا على أي شيء يخالف موجبات القرارات الأممية المتصلة بالصراع في سوريا بما يضمن تحقيق انتقالا ديمقراطيا للمجتمع السوري بشكل عملي، فالشرعية الممنوحة لهم ليست أبدية وليست شيكا على بياض.

إن أي وهم بحل سياسي دون العمل على تفكيك البنى السلطوية الرئيسة المعبر عنها بالمؤسستين العسكرية والأمنية وإعادة بنائها مجددا وفق أسس مختلفة ومنظور منسجم مع الوظيفة الوطنية لها تحت سقف القانون وهذا العمل بطبيعة الحال سيكون من الجنون المطبق إناطته بالسلطة الحالية.. وهو من الأسباب الإضافية التي تفترض وجود سلطة انتقالية تشرف على تنفيذ مضامين الاتفاق السياسي وتعيد هيكلة وتأهيل البنيتين العسكرية والأمنية وتصدر القوانين الناظمة لما يتعين إنفاذه أو تنفيذه من موجبات الحل .

 
 
قراءة 122 مرات