مقالات

السبت, 08 آب/أغسطس 2020 11:33

التجويع والحصار في سورية (دراسة في الوقائع والأهداف والتوصيف القانوني) القاضي عبد الرزاق الحسين \ المصدر مركز حرمون

يُعدّ الغذاء حقًا طبيعيًا للبشر لكونه ضرورةً لاستمرار الحياة الإنسانية، ويؤثر نقص الغذاء تأثيرًا سلبيًا في حياة الناس وإرادتهم. ونتيجة لتلك الأهمية، كانت السلطات تتحكّم دائمًا في حاجة الناس الطبيعية إلى الغذاء، وتستغلّها في النزاعات والحروب، من أجل التأثير في إرادة الخصوم، باستخدام التجويع سلاحًا، لتحقيق أهداف معيّنة، منها الإخضاع والتهجير، وقد يصل الأمر إلى إبادة الأفراد أو الجماعات، ولعل عبارة “إما نموت أو نرحل” التي قالها رجلٌ من المدنيين المحاصرين في مدينة داريّا السورية، وقد وردت في تقرير لمنظمة العفو الدولية (أمنستي)، تلخّص وضع المدنيين السوريين، في المناطق التي تعرضت للحصار على يد الجيش السوري والميليشيات الداعمة له، فالموت هنا ليس بسبب القصف الجوي والمدفعي المتواصل على المدن والأحياء المحاصَرة فحسب، بل بسبب الجوع ونقص الغذاء بشكل أساسي، بفعل الحصار ومنع إدخال المواد الغذائية. وقد كان ذلك الحصار الذي مارسته أجهزة سلطة الاستبداد مرحلةً من مراحل العنف الذي لف حياة السوريين منذ ربيع عام 2011، وكان أحدَ أساليب قهر المعارضة وحاضنتها الشعبية، بهدف القضاء عليها بالموت قصفًا أو جوعًا، أو الرحيل بعيدًا إلى الشمال.

 لم يكن السوريون أول من تعرض للحصار والتجويع عمدًا، ففي وقائع التاريخ القديم والمعاصر أمثلةٌ كثيرة، لكن الاختلاف ينحصر في الطرف الذي يفرض الحصار، فبينما كانت الشعوب تتعرض للحصار والتجويع من جهة قوة أجنبية معادية، وهذا قد يكون مفهومًا، على عدم أخلاقيته، نجد أن الإرادة التي منعت الغذاءَ ووسائل البقاء على قيد الحياة، عن المدنيين السوريين، كانت إرادة سورية بأيدٍ سورية، وهنا يكون الجور والقهر أكثرَ فظاعةً وأعمقَ أثرًا.

 فما هو التجويع؟ وما أبرز الأمثلة عليه من التاريخ المعاصر؟ وكيف استخدمت سلطة الاستبداد الحصار والتجويع سلاحًا على المدنيين السوريين؟ وما أهدافه ووسائله؟ وما النتائج التي نجمت عنه؟ وما موقف القانون الدولي من استخدام التجويع كسلاح في الحروب، وتطبيقاته على الحالة السورية؟

 تهدف هذه الورقة البحثية إلى إلقاء الضوء على مسألة التجويع عبر الحصار المستخدمة في سورية، وأمثلتها في التاريخ المعاصر، وبيان موقف القانون الدولي منها، والوسائل التي تمنع حدوثها في المستقبل.

مفهوم التجويع ونماذج عنه في التاريخ المعاصر

الجوع، في اللغة، هو الشعور بالحاجة إلى الطعام، ومنه التجويع [مصدر الفعل المتعدي جوّع] الذي يعني جعل الآخر يعيش الجوع، أي يمنع عنه الطعام[1]، وتدلّ كلمة التجويع في الأدبيات القانونية على الفعل المقصود الهادف إلى منع الغذاء عن شخص أو مجموعة من الناس، بهدف إخضاعهم لإرادته أو لإبادتهم أو لغير ذلك، وفق الهدف الذي يرمي إليه.

يعدّ التجويع العمد أسلوبًا قديمًا قدم النزاعات البشرية، وتحفل صفحات التاريخ بهذا الأسلوب في التأثير على الخصم، وخاصة في الحروب، ولا يتسع المجال لبحث هذا الأمر في عمقه التاريخي، ولكننا سنضرب مثالين على استخدام التجويع، في التاريخ المعاصر والقريب زمنيًا من وقتنا، هما التجويع الستاليني لفلاحي أوكرانيا، والتجويع النازي لسكان لينينغراد في الحرب العالمية الثانية.

)الكومودورو( كلمة أوكرانية تعني القتل المتعمد بالتجويع، ويستخدم الأوكرانيون هذا الاسم إشارةً إلى الكارثة الوطنية التي وقعت بين عامي 1932 ــ 1933[2]، بعد سيطرة الروس على أوكرانيا إبان الثورة البلشفية، حيث استولوا على الأراضي الأوكرانية، وفرضوا عليها ما يسمى بسياسة الشيوعية الحربية، وألحقوها باتحاد الجمهوريات السوفييتية، وبالنظر إلى مقاومة السكان لأساليب الحكم الستاليني في الاستيلاء على أراضيهم ومحاصيلهم، من خلال فرض العمل بالمزارع الجماعية، ونقل المحاصيل إلى مخازن الدولة، تم تصنيف أكثرية أهالي أوكرانيا (التي يشكل الفلاحون 90% من سكانها) كمخربين، وظهرت الدعوات في الإعلام لتدمير هؤلاء، باعتبارهم من الأعداء، وكان ذلك حجر زاوية لسياسة الإبادة الجماعية[3]، التي تمثلت بمنع الفلاحين من تخزين الحبوب، ثم المصادرة الجماعية لجميع أنواع الطعام من القرى، حيث كانت تقوم فرق خاصة بتفتيش البيوت بحثًا عن كل ما يؤكل، وأدى ذلك إلى حدوث المجاعة الكبيرة بين عامي 1932 ــ 1933 التي أدت إلى موت ملايين الأشخاص، وفي شهر حزيران/ يونيو 1933 وحده، بلغ عدد الموتى جوعًا أكثر من مليون شخص[4]، كل تلك الوسائل المريعة كانت تهدف إلى إخضاع السكان والسيطرة على البلاد.

أما في لينينغراد، ففي 27 كانون الثاني/ يناير 1944، بعد نحو أربع سنوات، تم فك الحصار العسكري الذي فرضته القوات النازية عام 1941على المدينة المعروفة باسم سانت بطرسبورغ، بعد أن طوقت المدينة من كل الاتجاهات، ومنعت الإمدادات أو المساعدات الغذائية عنها بشكل تام، بهدف احتلالها، بعد الهجوم الذي شنته قوات هتلر على أراضي الاتحاد السوفييتي، وكان هتلر قد قال في أحد خطاباته عام 1941: “إن لينينغراد يجب أن تموت جوعًا”، وبقيت بحيرة (لادوغا) الممر الوحيد الذي يربط المدينة بسائر أراضي الاتحاد السوفييتي، ونظرًا لأهميتها لحياة المدنيين المحاصرين فقد أطلقوا عليها اسم )طريق الحياة(، لمْ تكن الإمدادات تكفي سكان المدينة الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة، وقد أدى الحصار المذكور إلى تجويع السكان، ونتج عنه وفاة ما لا يقل عن 600 ألف من المدنيين، مات 97% منهم من الجوع والبرد، وذلك فضلًا عن العسكريين السوفييت الذين كانوا يقاومون داخل المدينة[5].

وقائع الحصار والتجويع في سورية

بعد انحسار سيطرة السلطة السورية عن مناطق متعددة من سورية، إثر تحول الحراك الشعبي إلى حراك مسلح ونشوء الفصائل المسلحة التي تقاتل جيش النظام الحاكم والميليشيات الأجنبية الداعمة، التي تحاول معه استعادة المناطق المذكورة؛ لجأ النظام إلى محاصرة عدد من المدن والمناطق التي تخضع لسلطة المعارضة، حصارًا عسكريًا، ومنع عنها جميع وسائل الحياة، من غذاء ودواء وغيرها، عدا عن القصف بالطيران والمدفعية وهي مكتظة بالمدنيين، وأهم هذه المناطق التي سنذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

ــــ الغوطة الشرقية وهي تضم مدنًا عدة، مثل دوما وحرستا، وبلدات أخرى، وقد تعرضت للحصار من عام 2013 حتى عام 2018، حيث دخلها الجيش السوري والميليشيات الداعمة له، بعد اتفاقيات التهجير نحو الشمال السوري.

 ــــ حي الوعر بمدينة حمص تعرض للحصار الفعلي، منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 حتى أيار/ مايو 2017، موعد خروج المقاتلين وجزء كبير من المدنيين باتجاه الشمال السوري بعد مفاوضات مع النظام رعتها القوات الروسية[6]، كما تعرضت حمص القديمة لحصار مماثل.

ــــ مدن ريف دمشق الغربي، وأهمها: مضايا التي بدأ عليها الحصار الكلي منتصف عام 2015، وكانت تضم نحو أربعين ألف نسمة من المدنيين من سكانها ومن المهجرين إليها، وكذلك مدينة الزبداني المجاورة التي بدأ حصارها بذلك الوقت. وقد انتهى حصار المدينتين بما أطلق عليه “اتفاق المدن الأربع”، الذي قضى بخروج من بقي من المقاتلين والمدنيين من مدينتي الزبداني ومضايا، إلى الشمال السوري، بالتزامن مع خروج المقاتلين والمدنيين، من بلدتي كفريّا والفوعة الواقعتين في محافظة إدلب المواليتين للنظام، وكانتا محاصرتين أيضًا من قبل فصائل المعارضة.  

 ــــ المعضمية التي تم إطباق الحصار عليها أواخر عام 2015، وانتهى ذلك الحصار في تشرين الأول/ أكتوبر 2016 تنفيذًا لاتفاق المصالحة بين المعارضة والنظام.

ــــ داريّا التي يزيد سكانها عن مئتي ألف نسمة، وبدأ حصارها نهاية عام 2012، وتعرضت لقصف وحشي حتى تدمير أكثر من ثمانين بالمئة من مبانيها، وانتهى الحصار في آب/ أغسطس 2016 بعد دخولها من قبل الجيش والميليشيات الأجنبية، إثر الاتفاق الذي تم التوصل إليه، ويقضي بخروج المقاتلين ومن معهم من المدنيين، إلى الشمال السوري، وكان العدد نحو ثمانية آلاف شخص، بينهم ما يقارب ألف طفل.

ــــ بلدات جنوب دمشق، مثل ببيلا ويلدا وبيت سحم، التي تعرضت لحصار طويل انتهى في أيار/ مايو 2018 بتهجير عدد كبير من المدنيين، إلى منطقتي جرابلس والباب في الشمال السوري.

ــــ مخيم اليرموك الذي تسكنه غالبية من اللاجئين الفلسطينيين، وقع تحت الحصار المضروب من قبل قوات الجيش السوري والميليشيات الأجنبية المساندة له منذ عام 2013، وكانت تسيطر عليه فصائل المعارضة، لكنه ابتُلي -إضافة إلى حصار قوات النظام- بسيطرة تنظيم (داعش) عليه، بعد قتال مع فصائل المعارضة عام 2015 وبقي تحت الحصار حتى عام 2018.

ــــ الشطر الشرقي من مدينة حلب الذي بدأ الجيش حصاره في تموز/ يوليو 2016 بما فيه من مدنيين قُدّر عددهم بـ 250 ألف نسمة، وقيد حصولهم على الغذاء والدواء وغيرهما من الإمدادات الضرورية، وانتهى الحصار بخروج المقاتلين منها، إضافة إلى نحو 37 ألف مدني، إلى ريف حلب الشمالي، بموجب اتفاق مع المعارضة[7].

في هذه المناطق التي حاصرتها قوات سلطة دمشق والميليشيات الداعمة لها، كان الحصار عسكريًا محكمًا، ترافق مع خنق اقتصادي كامل ومنع تام لدخول الطعام والدواء ومختلف الوسائل المساعدة على استمرار الحياة، وكانت فترات الحصار متفاوتةً بين منطقة وأخرى، وصلت في بعضها إلى نحو خمس سنوات ، حتى لجأ السكان -كما ورد في تقارير متعددة لمنظمات ووسائل إعلام- إلى أكل الأعشاب وأوراق الشجر، إضافة إلى أكل لحم القطط والكلاب، وأصبح فتات الطعام نتيجة الحصار في مخيم اليرموك والمعضمية مثلًا حُلمًا، وأصيب الأطفال بسوء التغذية، وتوفي بعضهم من قلة الغذاء والدواء وانعدام حليب الأطفال، مع عدم إمكانية الاعتماد على حليب الأمهات أيضًا، بسبب جوعهن[8].

وذكرت منظمة العفو الدولية، في تقريرها المؤرخ في 13 شباط/ فبراير 2014، أنها استلمت، من موقع واحد من المناطق المحاصرة، وهو مخيم اليرموك، أسماء أكثر من 100 رجل وطفل وامرأة، قضوا نحبهم أثناء الحصار الذي تفرضه القوات المسلحة السورية على المخيم منذ تموز/ يوليو 2013، وكانت المجاعة وغياب العناية الطبية الملائمة ونيران القناصة، من بين العوامل الرئيسة وراء حالات الوفاة في المخيم، وأن السكان يخاطرون بالخروج تحت نيران القناصة، من أجل اقتلاع العشب سريعًا وتناوله عوضًا عن الطعام، بينما يلجأ البعض منهم إلى تناول لحم القطط [9].

وفي تقرير آخر لمنظمة العفو الدولية، صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 بعنوان: )إما نرحل أو نموت(، ذكرت المنظمة أن الحكومة السورية اعتمدت الاتفاقات المحلية، استراتيجيةً أساسيةً، ترمي إلى إرغام المعارضة على الاستسلام باسم المصالحة، وأنها في واقع الأمر تأتي بعد حصار طويل وغير مشروع وبعد عمليات قصف، وتفضي في كل الأحوال إلى النزوح الجماعي للمدنيين، وقد مكنت هذه الاتفاقات الحكومة السورية، من حيث الجوهر، من استعادة السيطرة على الأراضي، عن طريق تجويع السكان الذين رفضوا حكمها، ثم إخراجهم منها[10]، كما فرضت الحكومة السورية حصارًا على ما يقدر بنحو 7000 شخص يعيشون في داريّا، بعد أن فرّ معظم السكان، نتيجة هجمات شنتها القوات الحكومية في وقت سابق، واستمر الحصار أربع سنوات، عانى السكان فيها الجوع والضعف، حتى اضطر بعضهم إلى أكل الحشائش، ومنعت الحكومة بصورة غير مشروعة، أو قيدت تعسفيًا، الحصول على الضروريات الأساسية مثل الغذاء والماء والدواء والاتصالات والكهرباء والوقود، وقد أدى ذلك إلى وضع مثل ظروف العصر الحجري، وأن الجيش السوري لجأ إلى سياسة الأرض المحروقة، مثل حرق الحقول الزراعية، وقد تحققت المنظمة من حدوث تلك العمليات من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية، ورفضت الحكومة السورية دخول قوافل الإغاثة التابعة للأمم المتحدة إلى داريّا، إلا مرتين، قبل إخلاء المدينة بشهرين، كما قيدت حكومة دمشق حصولَ المدنيين في مدينة حلب، أثناء حصارها على الغذاء والدواء وغيرهما من الإمدادات الضرورية، وفعلت ذلك أيضًا أثناء حصارها حيّ الوعر بحمص[11].

وأكدت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في التقرير العالمي لها لعام 2018، أن القوات الحكومية السورية والقوات الموالية لها واصلت حصار المناطق المدنية، ومنعت المساعدات الإنسانية عنها خلال عام 2017، واستخدمت التجويع كتكتيك حربي، وأجبرت السوريين على النزوح القسري، وقد أدى التدهور في الأوضاع الإنسانية في مناطق المعارضة المحاصرة إلى إجبار المجتمعات المحلية في العديد منها على الاستسلام لشروط الوساطة لوقف إطلاق النار، واتفاقات الإجلاء مع الحكومة[12].

أما برنامج الأغذية العالمي، فقد ذكر في بيان له بتاريخ 18 شباط/ فبراير 2016، أن فريق الإغاثة الذي دخل إلى مدينة المعضمية، شهد على أرض الواقع أشخاصًا يبدو عليهم الهزال والإنهاك، فيما بدا الأطفال أصغر من عمرهم الحقيقي، وأن المدينة لم يكن الوصول إليها ممكنًا لأكثر من عام ونصف، وكان المدنيون في المعضمية يعيشون على العشب وكميات محدودة من الأرز، تباع بأسعار أعلى بنحو خمسين مرة مما هي عليه في العاصمة دمشق التي لا تبعد عنهم سوى بضعة كيلومترات[13].

وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها الصادر بتاريخ 11 آذار/ مارس 2019، مقتلَ 921 مدنيًا، بينهم 398 من الأطفال و187 من السيدات، بسبب نقص الغذاء والدواء في المناطق التي حاصرها النظام السوري منذ عام 2011، وأن الأخير استخدم سياسة التجويع كشكل من أشكال العقوبات الجماعية[14].

توصيف التجويع في سورية على ضوء القانون الدولي  

يعدّ الحق في الغذاء حقًا طبيعيًا للإنسان لاستمراره في الحياة، لذلك لا نكاد نجد فرعًا من فروع القانون الدولي خاليًا من تأكيد هذا الحق ومنع اللجوء إلى حرمان الناس منه، مهما كانت الوسائل المستخدمة في ذلك الحرمان، ابتداءً من القانون الدولي لحقوق الإنسان، مرورًا بالقانون الدولي الإنساني، وانتهاء بالقانون الجنائي الدولي.

ففي القانون الدولي لحقوق الإنسان، تنص المادة 24 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل شخص في مستوًى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك المأكلَ والملبسَ والعنايةَ الطبيةَ، كما تنص على هذا الحق أيضًا المادة 11، من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتؤكد حق كل إنسان في التحرر من الجوع.

أما القانون الإنساني الدولي الذي يهدف إلى حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في النزاعات المسلحة، أو الذين توقفوا عن المشاركة فيها، فإنه حمى الأشخاص المدنيين في أثناء النزاعات المسلحة، ووضع قواعدَ لهذه الحماية ضمن اتفاقية جنيف الرابعة، وكذلك المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، وهي المادة التي شملت حالات النزاعات المسلحة غير الدولية، إضافةً إلى البروتوكولين الإضافيين الملحقين باتفاقيات جنيف، وبخاصة البروتوكول الثاني، الذي يحظى التجويع بأهمية واضحة في أحكامه، وبما أن التوصيف القانوني للوضع في سورية، من وجهة نظر القانون الدولي، هو “نزاعٌ مسلحٌ غير دولي”، حيث تتعامل اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع الوضع السوري منذ عام 2012 تحت هذا التوصيف، وكذلك الأمم المتحدة في رعايتها لمفاوضات السلام في سورية، تحت مظلة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، تتعامل مع القضية السورية باعتبارها نزاعًا مسلحًا غير دولي؛ فإن احترام قواعد القانون الدولي العام عمومًا، والقانون الإنساني الدولي خصوصًا، والمتمثل باتفاقيات جنيف الأربع الصادرة عام 1949 والبروتوكولات الملحقة بها، أمرٌ إلزامي لكل أطراف النزاع المسلح، وأهمها حكومة دمشق، باعتبار أن سورية موقعة على هذه الاتفاقيات، وهي ملزمة بالخضوع لكل قواعدها.

إن التجويع، كسلوك وفعل قصدي، يترافق عادةً مع الحصار العسكري التي تفرضه قوات محاربة، على منطقة محددة أو مدينة أو جزء من مدينة، سواء أكنا أمام نزاع دولي أم نزاع غير دولي، وهذا ما يميزه عن مجرد الحصار الاقتصادي، الذي قد يكون له الهدف العسكري نفسه، ولكنه يختلف عنه من حيث الوسائل.

يحظر القانون الإنساني الدولي الحديث تجويعَ المدنيين -أي حرمانهم من الطعام عمدًا- بوصفه أحدَ أساليب الحرب، كما في المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف عام 1977، وكذلك البروتوكول الإضافي الثاني الصادر في السنة ذاتها الذي تحمي مادته 13 المدنيين، حمايةً عامةً من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، بحيث لا يكونون محلًا للهجوم وأعمال العنف، كما يحميهم من استخدام التجويع كأسلوب من أساليب القتال، ولا يختلف الأمر في التجويع المباشر أو العَرَضي، فحظر التجويع ينصرف إلى فرض الحصار على المناطق التي يوجد فيها المدنيون، ومنع الغذاء عنهم، كما ينصرف إلى تدمير الأعيان المدنية، كمرافق مياه الشرب بهدف حرمان السكان من المياه مثلًا، فيغدو مفهومُ التجويع غيرَ مقتصر على معناه الضيق، أي حرمان السكان من الغذاء، وإنما يشمل كذلك المعنى الواسعَ الذي يتضمن حرمانَ السكان أو عدم تزويدهم بالحاجات الضرورية للعيش[15]، كما ينصرف أيضًا إلى حظر مهاجمة وتدمير المناطق الزراعية التي تنتج المواد الغذائية والمحاصيل والماشية وشبكات الري، وذلك لغرض محدد هو تجريدها من قيمتها باعتبارها من مقومات حياة السكان المدنيين أو الطرف الخصم، مهما كان الباعث، وهذا ما نصت عليه المادة 8/2/ب/25 من نظام روما الأساسي، التي أكدت أن تعمّد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم -ومن ضمن ذلك الإمدادات الغوثية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف- إنما يشكل جريمة حرب، وكانت المادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة قد أوجبت على الأطراف المتعاقدة، كفالة مرور شحنات الأغذية الضرورية المرسلة إلى السكان المدنيين، وإن كانوا من الخصم.

وإذا كان التجويعُ محظورًا في القانون الدولي، كما بيّنا، سواء أكان أصليًا أم عرضيًا؛ فإن الحظرَ يبقى قائمًا بغض النظر عن الهدف منه لدى الجهة الفاعلة، فقد يكون التجويع بقصد إهلاك المدنيين أو بقصد تهجير السكان قسرًا عبر تجويعهم، وفي الحالتين يُعد جريمة حرب، وفق ما ذهب إليه نظام روما الأساسي الذي يعزز ما جاء في اتفاقيات جنيف، وخاصة المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول، وفق ما ذكرناه.

ولما كان من الثابت من خلال التقارير ذات الصدقية والصادرة عن منظمة العفو الدولية والشبكة السورية لحقوق الإنسان، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، والمركز السوري لتوثيق الانتهاكات، التي تم عرضها، إضافةً إلى التقارير الصحفية والإعلامية الكثيرة، والصور التي تناقلتها مختلف وسائل الإعلام العالمية، والتي تظهر تأثيرات الحصار على المدنيين الذي تعرضت له مناطق مختلفة من سورية، على أيدي قوات الجيش السوري والميليشيات الأجنبية الداعمة له، واستمرار الحصار لمدد طويلة، وتعمد القوات المذكورة منعَ دخول المواد الغذائية للمدنيين المحاصرين، واستهدافها للأعيان المدنية اللازمة لاستمرار حياة هؤلاء المحاصرين، بدليل صدور قرارات عن مجلس الأمن الدولي تحض حكومةَ دمشق على ضرورة تسهيل دخول الإمدادات والغذاء والدواء للمدنيين المحاصرين في مختلف المناطق السورية، ومنها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2139 تاريخ 22 نيسان/ أبريل 2014 الذي يلزم كافةَ الأطراف وخاصةً الحكومة السوريةَ بالسماح للوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة وشركائها التنفيذيين بالوصول إلى من هم بحاجة للمساعدة، بسرعة وأمان ودون معوقات، إضافة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 تاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2015 الذي دعا في الفقرة 12 منه الأطرافَ إلى أن تتيح فورًا للوكالات الإنسانية إمكانيةَ الوصول السريع والمأمون وغير المعرقل إلى جميع أنحاء سورية، وأن تسمحَ فورًا بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع من هم بحاجة إليها، إلا أن القوات التابعة للنظام السوري منعت وصول هذه المساعدات الأممية بشكل دائم، يدل على ذلك الواقع وتكرار صدور القرارات الدولية حول الموضوع نفسه، كما يؤيده بيانُ برنامج الأغذية العالمي الصادر عام 2016 الذي يؤكد أن مدينة المعضمية كان الدخول إليها غير ممكن طوال سنة ونصف[16].

 ولما كان هذا الحصارُ الذي ذكرنا بعضًا من وقائعه وأماكنه، قد أدى إلى حالات جوع لدى السكان المدنيين، ونتج عنه وفياتٌ ناجمة بشكل مباشر عن الحصار الغذائي المرافق للحصار العسكري، ومنعَ وصول المواد الضرورية لاستمرار بقاء المدنيين على قيد الحياة، وتدمير منشآت مياه الشرب وحرق المحاصيل الزراعية عبر القصف، وأن الوفيات المسجلة قد بلغت أكثر من تسعمئة من المدنيين، منهم أطفال ونساء، وفق البيانات التي ذكرناها، فإن هذه الأفعال تشكل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، واستخدامًا للتجويع كسلاح حرب، وهي بالتالي تقع تحت حكم المادة 82 ب 25 من نظام روما الأساسي، بوصفها جريمة حرب، وهذا ما يستدعي محاكمة مرتكبيها وفق تسلسل المسؤولية عن الجريمة أمام محكمة الجنايات الدولية تبعًا لنص المادة 5 من نظام روما الأساسي.

الخاتمة والتوصيات

منذ بداية التظاهرات المناوئة للنظام الاستبدادي الحاكم في سورية، تعاملت أجهزة الأخير مع المتظاهرين بالعنف والتصفية، وعندما حمل هؤلاء المطالبين بالحرية السلاحَ لمقاومة أجهزة القتل، كان تعامل هذه الأجهزة أكثر دموية وعدائية، حتى وصلت إلى حصار المدن والأحياء والمناطق التي خرجت عن سيطرتها، ومارست سياسة تجويع السكان، للقضاء على معارضيها وحاضنتها المدنية، من خلال منع دخول الغذاء والدواء ووسائل الاستمرار بالعيش، وتدمير الأعيان المدنية اللازمة للبقاء، واستمرت في تجاهل القوانين الدولية، وقرارات مجلس الأمن الدولي، بدعم وحماية روسيا العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، وكانت نتيجة الحصار كارثيةً، من حيث الوفيات والأذى الجسدي والنفسي الذي تعرض له المدنيون المحاصرون، حتى وصل الأمرُ بهم إلى أكل الأعشاب ولحوم القطط والكلاب، في مشهد يشبه ما حصل للفلاحين الأوكرانيين على يد السلطات الشيوعية في الاتحاد السوفييتي، وكذلك ما حصل لأهالي لينينغراد أثناء حصارها من القوات النازية.

 وإن ما وصلت إليه الحالة في سورية من قتل وتشريد وتجويع حتى الموت هو نتاجٌ لعقلية التسلط والعنف، لذلك فإن من الضروري، ليستعيد الشعب السوري حياته وإرادته ووحدته، أن يحدث تغييرٌ شاملٌ وحل يقطع مع حقبة الاستبداد السوداء، ويمنع حدوث جرائم من التي حدثت خلال الفترة الماضية، ولعل النقاط التالية تشكل جزءًا من الحل لمشكلة بلادنا:

– الحل الجذري للمأساة السورية بمساعدة الأمم المتحدة، والذي يعيد السلطة إلى الشعب السوري عبر مؤسسات ديمقراطية تستند إلى الإرادة الشعبية الحرة.

– وضع عقد اجتماعي جديد نابع من إرادة السوريين الحرة، يتمثل في دستور يضع الإرادة الشعبية فوق كل المؤسسات، ويُخضع الجيش والأجهزة الأمنية لسلطة القانون والقضاء.

– محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومنها جريمة التجويع كسلاح حربي أمام محكمة الجنايات الدولية.

– تطبيق العدالة الانتقالية في البلاد، بحيث تعود الحقوق إلى أصحابها وفق الآليات المعترف عليها دوليًا والتي تضمن عدم تكرار ما حدث في سورية بالمستقبل.

– عودة المهجرين قسرًا إلى مدنهم وقراهم التي هُجّروا منها تحت حجة اتفاقات الصلح الجارية تحت الحصار والتجويع.

              ……………………….

مراجع البحث

1 – الدكتور عبد الرحمن محمد علي، الجرائم الإسرائيلية خلال العدوان على قطاع غزة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، الطبعة الأولى 2011، صفحة 54

2- كتاب أوكرانيا 1932 – 1933، الكومودورو، إعداد المعهد الأوكراني للذاكرة الوطنية ووزارة السياسة الإعلامية لأوكرانيا، صفحة 3، منشور على الرابط التالي: https://2u.pw/Vz0is

3- ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945

4- اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949

5- البرتوكولان الإضافيان الملحقان باتفاقيات جنيف الصادرين عام 1977

6- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1948

7- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948  

8- قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 تاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2015

9- قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2139 تاريخ 22 نيسان/ أبريل 2014

10- تقرير وكالة sputniknews بالعربي الروسية بتاريخ 25 حزيران/ يونيو 2019 منشور على موقع الوكالة الروسية على الرابط التالي:

https://bit.ly/3g7Go92

11- تقرير مركز الانتهاكات في سورية عن مخيم اليرموك والمعظمية بعنوان (منسيون تحت الحصار) صادر في أيلول/ سبتمبر 2013 منشور على موقع المركز على الرابط التالي:

https://bit.ly/39sC4Ph

12- تقرير منظمة العفو الدولية أمنستي المؤرخ في 13 شباط/ فبراير 2014 منشور على موقع المنظمة على الرابط التالي:

https://bit.ly/2EmiN6C

13- تقرير منظمة العفو الدولية، تشرين الثاني 2017 (إما نموت أو نرحل) عن التهجير القسري بموجب اتفاقات المصالحة، سورية صادر برقم وثيقة MDE24/7309/2017 منشور على موقع المنظمة على الرابط التالي: https:www.amnesty.orgardocumentsmde2473092017ar

14- التقرير العالمي لمنظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2018، الجزء الخاص بالموضوع السوري، منشور على موقع المنظمة على الرابط التالي

https://bit.ly/32VvOy5

15- بيان لبرنامج الغذاء العالمي مؤرخ في 18 شباط/ فبراير 2016 منشور على موقع البرنامج على الرابط التالي:

https://bit.ly/2BB0auE

16- التقرير الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان المؤرخ في 11 آذار/ مارس 2019 منشور على موقع الشبكة على الرابط التالي:

http:sn4hr.orgarabic2019031110925

__________

[1] ـ من أجل التعمق في هذا المعنى للتجويع انظر في معجم (الغني)

[2] ـ أوكرانيا 1932 ــ 1933 ــ الكومودورو ــ إعداد المعهد الأوكراني للذاكرة الوطنية ووزارة السياسة الإعلامية لأوكرانيا ــ صفحة 3 منشور على الرابط التالي: https://bit.ly/32W9unX

[3] ـ المرجع السابق ـ صفحة 11

[4] ـ المرجع السابق ـ صفحة 23

[5] ـ تقرير وكالة sputniknews بالعربي الروسية بتاريخ 25 حزيران/ يونيو 2019 منشور على موقع الوكالة على الرابط التالي:

https://bit.ly/2D7KhMI

[6] ـ أمنستي ـ (إما نرحل أو نموت) تقرير رقم MDE 24/7309 لعام 2017 منشور على الرابط:

https://bit.ly/2BBtCRg

[7] ـ أمنستي ــ المرجع السابق

[8] ـ تقرير مركز الانتهاكات في سورية عن مخيم اليرموك والمعظمية بعنوان (منسيون تحت الحصار) صادر في أيلول/ سبتمبر 2013 منشور على موقع المركز على الرابط التالي:

https://bit.ly/3hJzxDj

[9] ـ منظمة العفو الدولية أمنستي ــ تقرير مؤرخ في 13 شباط/ فبراير 2014 منشور على موقع المنظمة على الرابط التالي:

https://bit.ly/330NIQ3

[10] ـ تقرير أمنستي السابق (إما نرحل أو نموت)

[11] ـ تقرير أمنستي السابق (إما نرحل أو نموت)

[12] ـ التقرير العالمي لمنظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2018 ـ الجزء الخاص بالموضوع السوري ـ منشور على موقع المنظمة على الرابط التالي:

https://bit.ly/39uiEJL

[13] ـ بيان لبرنامج الغذاء العالمي مؤرخ في 18 شباط / فبراير 2016 منشور على موقع البرنامج على الرابط التالي:

https://bit.ly/2WZhXTJ

[14] ـ التقرير الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان المؤرخ في 11 آذار/ مارس 2019 منشــــــــــــــــــور على موقع الشبكة على الرابط التالي:

http://sn4hr.org/arabic/2019/03/11/10925/

[15] ـ الدكتور عبد الرحمن محمد علي، الجرائم الإسرائيلية خلال العدوان على قطاع غزة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، الطبعة الأولى 2011، صفحة 54

[16] ـ بيان مؤرخ في 18 شباط/ فبراير 2016 صادر عن برنامج الغذاء العالمي موجود على الرابط:

https://bit.ly/2WYrCtK

رابط المصدر : https://www.harmoon.org/reports/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%88%D9%8A%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82/?fbclid=IwAR0GA4cYy_SCUJJe1qUzNMrq_82t1YdcpAQbJcqrMHgm9EJDlvTO0mjxXGc

قراءة 103 مرات