مقالات

الجمعة, 14 آب/أغسطس 2020 07:51

حول “قانون” حماية وإدارة أموال الغائب - المحامي غزوان قرنفل - المصدر \ صحيفة عنب بلدي

مشروعية أي قانون لا تتأتى فقط من انسجامه مع أحكام النصوص الدستورية، وإنما أيضًا من مدى حمايته لمنظومة الحقوق العامة التي يتمتع بها أفراد المجتمع، والتي يفترض أن تكون جزءًا من الحقوق الدستورية للمواطنين .

إن نظرة فاحصة وسريعة لمضمون ما اصطلح على تسميته بـ”قانون حماية وإدارة أموال الغائب” الذي أصدرته “الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا” تشي بأنه لا يُقصد بهذا القانون حماية حقوق الملكية الخاصة، وإنما تنظيم آليات الاعتداء على هذه الملكية وسلبها، هذا على فرض التسليم بأحقية الجهة التي أصدرته بإصداره وامتلاكها الشرعية والمشروعية للتشريع.

 
 

نصت المادة /15/ من الدستور السوري المعمول به والصادر بالمرسوم التشريعي /94/ لعام 2012 على ما يلي:

1- الملكية الخاصة من جماعية وفردية مصونة وفق الأسس الآتية:

(أ)- المصادرة العامة في الأموال ممنوعة.

(ب) – لا تنزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة بمرسوم ومقابل تعويض عادل وفقًا للقانون.

(ج) – لا تفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي مبرم.

(د) – تجوز المصادرة الخاصة لضرورات الحرب والكوارث العامة بقانون لقاء تعويض عادل.

2- يجب أن يكون التعويض معادلًا للقيمة الحقيقية للملكية.

أما في “ميثاق العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية” فقد جاء في المادة /22/ ما يلي:

“تعتمد الإدارة شرعة حقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وغيرها من المواثيق ذات الشأن، وتعتبرها جزءًا لا يتجزأ من هذا الميثاق”.

كما جاء في المادة /42/ من “الميثاق” ما يلي:

“للجميع حق التملك، والملكية الخاصة مصونة، ولا يُحرم أحد من التصرف بملكه إلا وفق القانون، ولا يُنتزع منه إلا لأغراض المنفعة العامة بشرط تعويضه تعويضًا عادلًا حال رفع يده عن ملكه”.

ولما كان ما سمي بـ”ميثاق العقد الاجتماعي” يرقى لمرتبة الدستور للمنطقة الجغرافية التي نص عليها، وفق ما تراه الجهة التي أصدرته، فإنه بمثابة القانون الأعلى الذي لا يجب أن يصدر بعده قانون يخالفه ويناقض أحكامه وعن ذات الجهة التي أصدرته، كما لا يجب أن يصدر “قانون” يخالف الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي اعتبرها هذا “الميثاق” جزءًا لا يتجزأ منه .

إن نظرة فاحصة لمندرجات ما سمي بـ”قانون حماية وإدارة أموال الغائب” تقودنا مباشرة لحزمة من المخالفات الدستورية، إن جاز التعبير، التي تجعل منه قانونًا غير دستوري، ليس فقط لمخالفته الدستور السوري الصادر عام 2012 باعتبار أن “الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا” تعد نفسها جزءًا من الدولة السورية، وليست كيانًا منفصلًا عنها، وفق ما ورد في المادة الثالثة من “ميثاق العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية” التي جاء فيها:

(أ): سوريا دولة حرة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة، ونظامها برلماني اتحادي ديمقراطي تعددي توافقي.

(ب): مقاطعات الإدارة الذاتية الديمقراطية (الجزيرة، كوباني، عفرين) جزء من سوريا جغرافيًا، ومدينة قامشلو مركز الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة الجزيرة.

وإنما أيضًا مخالف لمضامين “ميثاق العقد الاجتماعي” نفسه، الذي اعتبرته “الإدارة الذاتية” دستورًا ناظمًا لعملها ومصدرًا لشرعيتها في الحيز الجغرافي الذي قررته نطاقًا سياديًا لسلطانها، فهي منحت لنفسها الحق في وضع يدها على أموال كل شخص غادر نطاقها الجغرافي لمدة سنة أو أكثر للإقامة الدائمة خارجها (مادة 3)، بل واعتبرت أن كل العقود المبرمة (من صاحب الأموال) قبل صدور هذا القانون، والتي ترتب حقوقًا للغير، عقودًا مؤقتة سيتم تدقيقها وإعادة النظر فيها من قبل اللجنة المنوط بها حماية وإدارة أموال الغائب (مادة 4)، أي إن القانون يطبق بأثر رجعي ليشمل كل التصرفات التي أجراها المالك على ملكه قبل صدور القانون، وهو منهج غريب في التشريع، فهو لا يقيّد حق المالك في التصرف بما يملك فقط، وإنما يمتد طيفه ليشمل ما تصرف به المالك بملكه قبل وجود القانون نفسه، وما يرتب ذلك من أضرار جسيمة على حقوق المتصرف لهم أيضًا.

وتحت عنوان عريض وفضفاض هو خدمة وتنمية المجتمع، منحت اللجنة نفسها الحق في تأجير واستثمار أموال الغائب (مادة 10)، لكن القانون ألقى على عاتق اللجنة التي تدير أملاك الغائب (لم يلزمها) أن تعيدها إليه إن حضر هو أو أحد أقربائه من الدرجة الأولى أو الثانية ولكن بعد موافقة رئاسة المجلس التنفيذي الموجودة تلك الأملاك ضمن دائرته (مادة 11)، والسؤال ماذا إن لم يحضر المالك وليس هناك أحد من أقاربه؟ بل وماذا إن لم يوافق المجلس التنفيذي على قرار الإعادة؟ مع التنويه أن المادة 12 قررت أن يفقد المالك ربع أملاكه إن لم يحضر هو أو من يمثله من أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية خلال سنة، وفي جميع الأحوال لا تسلم الأموال إلا بعد موافقة المجلس التنفيذي للدائرة الواقعة ضمنها تلك الأملاك.

أختم بما يمكن اعتبارها قمة المهازل في هذا القانون، وهو ما جاء في نص المادة 15، التي حرمت المالك من حقه في التصرف بما يملك أيًا كان شكل ونوع هذا التصرف خلال سنة تلي تسلمه لأملاكه، واعتبرت أن أي تصرف من المالك بملكه خلال تلك السنة لا يرتب أي آثار قانونية، واعتبرته معدومًا ما لم يكن المتصرف/ المالك قد حصل على إذن وموافقة مسبقة من رئاسة اللجنة المعنية تجيز له فعل ذلك.

فهل هناك اعتداء على حق الملكية أكثر من ذلك؟ وهل هناك تناقض بين نصوص هذا “القانون” وما نص عليه “ميثاق العقد الاجتماعي”، الذي تبنى نصوصًا تسبغ الحماية على حق الملكية بما فيها نصوص تتعلق بشرعة حقوق الإنسان، وهي مواثيق دولية أعلى مرتبة من القوانين الوطنية، وعلى تلك الأخيرة أن لا تتضمن أحكامًا تتناقض مع أحكام ونصوص الأولى.


كُتب هذا المقال وأُعد للنشر قبل صدور قرار عن “الإدارة الذاتية” بوقف تنفيذ القانون

مع ملاحظة أن وقف تنفيذ قانون ما لايعني إلغاؤه .

رابط المصدر : https://www.enabbaladi.net/archives/407698?fbclid=IwAR06PCORUqmkpxDGV2dHbyHExwXXbgT2Dp64LDQZPgJlsunyj__DWvVEaOM#ixzz6V0d0ylLN


قراءة 16 مرات