منشورات التجمع

الخميس, 09 نيسان/أبريل 2020 08:38

العدالة الانتقالية والدستور ( ورقة بحثية لتجمع المحامين السوريين بالتعاون مع فريق الخبراء القانونيين )

 

"وسوف يظل البحث عن الحقيقة يوقظ حماسة الإنسان ونشاطه ما بقي فيه عرق ينبض وروح تشعر"

- هيغل -

 

- مقدمة -

 

 

عانت سوريا خلال العقود الماضية من نظام شمولي تسلطي، عانى فيه السوريون من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مما أدى لنشوب ثورة تطالب بالحرية والكرامة، تحولت بعدها لنزاع مسلح مع تدخل دولي مباشر وغير مباشر، أدى ذلك لمأساة إنسانية من هجرة ونزوح لنصف السوريين، ومقتل وإصابة مئات الآلاف، مع شروخات مجتمعية عميقة، ازدادت خلالها انتهاكات حقوق الإنسان مع غياب كامل لنظام العدالة. ويتطلع السوريون لحل سياسي ينهي مأساتهم، وينهي حالة الاقتتال، وينهي حقبة الاستبداد والانتهاكات، ليؤسس لدولة تسودها الحرية والعدالة، وسيادة القانون وحقوق الإنسان.

إن ما يتطلع له السوريون اليوم هو ذات الأمر الذي أدى للحراك عام 2011 عندما تلخصت شعاراتهم بالحرية والكرامة، أي مطالبتهم بإنهاء الاستبداد وإطلاق الحقوق والحريات، لذلك على أي حل سياسي أن يراعي مطالب السوريين وتطلعهم في الانعتاق من الاستبداد. وعملياً، وللوصول لدولة القانون التي ينشدها السوريون، لابد من فهم المعاناة الطويلة وأسبابها، والعمل على تفكيك منظومة الاستبداد من خلال فهم الآليات التي استطاع بها إحكام سيطرته على رقاب السوريين، والبدء بمسار يضمن القطيعة مع الإرث الكبير من الاستبداد والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان.

هذا المسار ما يطلق عليه العدالة الانتقالية، وهي مجموعة آليات يتم من خلالها الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، إضافة لمحاسبة المنتهكين ومعالجة مسببات الاستبداد. إن مسار العدالة الانتقالية يبدأ عادة بقانون يتحدث عن إطلاق برامج وآليات العدالة الانتقالية، ولكن لكي يعمل هذا القانون في بيئة مناسبة، لابد من أن يترافق مع حراك مجتمعي وقانوني ومساعدة دولية تضمن نجاح هذا المسار. ولعل نقطة البدء في التأسيس لهذا المسار هو إنتاج دستور جديد يعترف بإرث الماضي، ويضمن فصل السلطات واستقلال القضاء، ويعلي شأن شرعة حقوق الإنسان، ويطلق الحقوق والحريات، ويعطي للمجتمع المدني دوره، ليؤسس بالتالي البيئة الملائمة لمسار العدالة الانتقالية.

إن أهمية الدستور تزداد مع التوجه الدولي للحل السياسي، وخاصة بعد إعلان تشكيل اللجنة الدستورية وانعقاد أعمالها، لذلك لابد من أي يراعي الدستور الجديد متطلبات العدالة الانتقالية لكي يشكل الخطوة الأولى في عملية التغيير المنشودة من نظام شمولي إلى نظام ديموقراطي تعددي.


-  مفهوم العدالة الانتقالية وأهميتها في السياق السوري -

1 - مفهوم العدالة الانتقالية:

رغم حداثة مفهوم وتطبيق العدالة الانتقالية، إلا أن البعض يرجع بدايات تطبيقاتها الأولى إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية في "محاكمات نورم-برج" في ألمانيا، وهي من أشهر المحاكمات التي شهدها التاريخ المعاصر، والتي قامت بمحاكمة مجرمي الحرب من القيادة النازية. ثم كانت البداية الحقيقية لما يمكن أن يسمي تطبيق للعدالة الانتقالية، في محاكمات حقوق الإنسان في اليونان في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، وبعدها في المتابعات للحكم العسكري في الأرجنتين وتشيلي من خلال لجنتي تقصي الحقائق في الأرجنتين 1983 وتشيلي 1990 ومن بعد ذلك في العديد من دول القارة اللاتينية.[1] ومن ثم تطور المفهوم بعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا عام 1993، إضافة لتشكيل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1994. ومن ثم إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998.

وقد عرف الأمين العام للأمم المتحدة مفهوم العدالة الانتقالية بأنها تشمل كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق، بغية كفالة المساءلة وإقامة العدل وتحقيق المصالحة. [2]

وقد وضح عناصرها مجلس حقوق الإنسان بدراسته التحليلية بشأن حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية عندما بين أن العدالة الانتقالية تتكون من كل العمليات والآليات القضائية وغير القضائية، من قبيل البحث عن الحقيقة ومبادرات الملاحقة القضائية وبرامج الجبر والإصلاح المؤسسي، أو مزيج مناسب من هذه العناصر. علاوة على ذلك، ينبغي أن تسعى العدالة الانتقالية لمعالجة أكثر شمولاً لجذور أسباب النزاعات وما يتصل بها من انتهاكات لجميع الحقوق، بما فيها الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.[3]

كما عرفه المركز الدولي للعدالة الانتقالية بأنه مفهوم يشير إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات.[4]

كما حدد المركز الدولي للعدالة الانتقالية ماهية العدالة الانتقالية بأنها استجابة للانتهاكات المنهجية أو الواسعة النطاق لحقوق الإنسان، تهدف إلى تحقيق الاعتراف الواجب بما كابده الضحايا من انتهاكات، وتعزيز إمكانية تحقيق السلام والمصالحة والديموقراطية. وليست العدالة الانتقالية شكلاً خاصاً من أشكال العدالة، بل هي تكييف للعدالة على النحو الذي يلائم مجتمعات تخوض مرحلة من التحولات في أعقاب حقبة من تفشي انتهاكات حقوق الإنسان، وفي بعض الأحيان تحدث هذه التحولات على حين غرة، وفي أحيان أخرى قد تجري على مدى عقود طويلة.[5]

ووفقاً لذلك، فالعدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية في كونها تُعنى بالفترات الانتقالية مثل الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح إلى حالة السلم، أو الانتقال من حالة صراع سياسي داخلي رافقه عنف مسلح إلى حالة السلم والبدء في مسار التحول الديموقراطي، أو الانتقال من حكم سياسي تسلطي إلى حالة الانفراج السياسي والانتقال الديموقراطي، أي الانتقال من حكم شمولي إلى حكم يقر بالتعددية، إضافة لحالة التحرر من احتلال أجنبي وتأسيس حكم وطني.[6]

2 - عناصر العدالة الانتقالية:

حدد الأمين العام للأمم المتحدة عناصر العدالة الانتقالية بأنها تتألف من عمليات وآليات قضائية وغير قضائية على حد سواء، ومن بينها مبادرات المقاضاة، ومبادرات التيسير فيما يخص الحق في معرفة الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمشاورات الوطنية، وأياً كانت المجموعة التي يجري اختيارها، فيجب أن تكون متوافقة مع المعايير والالتزامات القانونية الدولية. ويجب أيضاً أن تسعى العدالة الانتقالية إلى مراعاة الأسباب الجذرية للنزاعات وما يتصل بها من انتهاكات لجميع الحقوق، بما في ذلك الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وعن طريق بذل الجهد لمعالجة جميع الانتهاكات على نحو متكامل ومترابط، يمكن أن تساهم العدالة الانتقالية في تحقيق الأهداف الأوسع نطاقاً وهي منع حدوث نزاعات أخرى، وبناء السلام، والمصالحة.[7] ووفقاً لذلك تشمل برامج العدالة الانتقالية العناصر التالية:

أ – مبادرات المقاضاة:

ترمي مبادرات المقاضاة إلى كفالة محاكمة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم، بما في ذلك الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتتحمل الدول المسؤولية الرئيسية في ممارسة الاختصاص القضائي بشأن هذه الجرائم. وإذا كانت الدول بعد سنوات من النزاع أو الحكم القمعي غير قادرة على القيام بتحقيقات ومحاكمات فعالة، يمكن أن تمارس المحاكم الجنائية الدولية والمختلطة اختصاصاً قضائياً مشتركاً. بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.[8]

ب – المبادرات المتعلقة بالحق في معرفة الحقيقة:

تساعد عمليات السعي إلى معرفة الحقيقة المجتمعات الخارجة من نزاعات على تقصي انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في الماضي، وتطلع بها لجان الحقيقة أو لجان التحقيق أو غير ذلك من بعثات تقصي الحقائق. ولجان الحقيقة هيئات تحقيق غير قضائية أو شبه قضائية تتولى تقصي أنماط العنف المرتكبة في الماضي، وكشف أسباب تلك الأفعال وتبعاتها، وتشمل أنشطتها جمع أقوال الضحايا والشهود، وإجراء بحوث للانتهاكات بما فيها أسبابها وتبعاتها، وتنظيم جلسات استماع علنية وغير ذلك من برامج التوعية.[9]

ج - جبر الضرر:

تسعى برامج جبر الضرر إلى توفير سبل الانتصاف عن الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان عن طريق تقديم مجموعة من المزايا المادية والرمزية للضحايا، ويمكن لسبل جبر الضرر أن تتضمن التعويض النقدي، أو الخدمات الطبية والنفسية، أو الدعم التعليمي، أو إعادة الأملاك إلى أصحابها أو تعويضهم عن فقدانها، إلى جانب الاعتذارات الرسمية العلنية، وبناء المتاحف والنصب التذكارية، وتخصيص أيام لإحياء الذكرى. وحتى تكون هذه البرامج أكثر نجاحاً ينبغي تصميمها بالتشاور مع المجموعات المتضررة. ويمكن لبرامج جبر الضرر أن تكون بمثابة عوامل فعالة ومكملة لعمليات السعي لمعرفة الحقيقة ومبادرات مقاضاة الجناة، من خلال تقديم سبل انتصاف ملموسة للضحايا، وتعزيز المصالحة، واسترداد ثقة العامة في الدولة.[10]

د – الإصلاح المؤسسي:

يجب تحويل المؤسسات العامة التي ساعدت على إدامة النزاع أو الحكم القمعي إلى مؤسسات تحفظ السلام وتحمي حقوق الإنسان وترسخ ثقافة احترام سيادة القانون. فمن خلال إصلاح المؤسسات يصبح الإصلاح المؤسسي عاملاً يمكن حكومات البلد الخارجة من نزاعات والتي تمر بمرحلة انتقالية من الحيلولة دون تكرار انتهاكات حقوق الإنسان في المستقبل. ويعد الاختيار الدقيق للمسؤولين الحكوميين ولاسيما في قطاعي الأمن والعدالة، أمراً ذا أهمية حاسمة لتيسير هذا التحول، من خلال عزل الموظفين الحكوميين المسؤولين بصفتهم الشخصية عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان من مناصبهم أو الامتناع عن تعيينهم. وقد يشمل ذلك حل الوحدات العسكرية أو الشرطية أو الأمنية التي قد تكون مسؤولة بصورة منهجية عن انتهاكات حقوق الإنسان.[11]

ه – المشاورات الوطنية:

المشاورات الوطنية عنصر حاسم الأهمية من عناصر النهج القائم على حقوق الإنسان لتحقيق العدالة الانتقالية، بما فيها الأصوات المختلفة للرجال والنساء. فالمشاركة العامة تبين احتياجات المجتمعات المحلية المتضررة من النزاع أو الحكم القمعي. بما تتيح للحكومات أن تضع برنامجاً للعدالة الانتقالية ملائماً ومناسباً للسياق.[12]

3 - أهمية العدالة الانتقالية لمعالجة النزاع في سوريا:

أولى ملامح الانقلاب على الديموقراطية كانت إبان الوحدة بين سوريا ومصر وما رافقها من إجراءات تعسفية، ثم بدأ تشكل النظام الشمولي بدءاً من انقلاب حزب البعث عام 1963 وسيطرته على الدولة وسلطاتها ومؤسساتها، عمل خلالها على تضييق مساحة الحقوق والحريات، وحرف مؤسسات الدولة عن دورها الطبيعي في خدمة المواطن إلى خدمة الحزب والسلطة. وترافق هذا الانقلاب مع عهد طويل من انتهاكات حقوق الإنسان ساهم في جزء كبير منها المؤسسة الحزبية الأمنية والعسكرية، وفي جزء آخر باقي المؤسسات مع منظومة تشريعية ساهمت في تكريس سلطة الحزب الواحد والشخص الواحد.

ولفهم سياقات العدالة الانتقالية المطلوبة، لابد من الوقوف على التشوهات التي أصابت البنية التشريعية والمؤسساتية في الدولة السورية وما رافقها من انتهاكات.

أ – مرحلة ما قبل النزاع:

رافق انقلاب حزب البعث عام 1963 إعلان حالة الطوارئ التي استمرت إلى ما بعد اندلاع النزاع الحالي، كما ترافق مع إصدار ثلاثة دساتير مؤقتة أعوام 1964 و1966 و1971 هذه الدساتير التي كرست السلطة السياسية بالقيادة القطرية لحزب البعث وأن رئيس الدولة هو الأمين العام للقيادة القطرية.[13] إلى حين صدور الدستور الدائم عام 1973 والذي استمر العمل به حتى اندلاع النزاع الأخير. هذا الدستور الذي كرس سلطة الحزب الواحد من خلال المادة الثامنة منه والتي تنص على “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية” ونص في مادته الرابعة والثمانون على “يصدر الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية عن مجلس الشعب بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه” ولم يختلف دستور 1973 عن حزمة الدساتير المؤقتة التي صدرت عقب انقلاب حزب البعث وذلك من خلال ربط الحقوق والحريات بتوجهات الحزب الحاكم، وتعليق العمل بالحقوق والحريات بالاستناد إلى الأحكام العرفية والسماح بإنشاء المحاكم الاستثنائية وغيرها.[14] وبذلك فقد كرس الدستور سلطة الحزب والواحد والشخص الواحد لتبدأ مرحلة من التصحر السياسي وتضييق الخناق على الحقوق والحريات. وقد رافق هذه الدساتير جملة من القوانين التي تكرس الاستبداد وتفتح المجال لانتهاكات حقوق الإنسان ومنها:

  • قانون مناهضة أهداف الثورة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 6 لعام 1964 والذي ينص على تجريم ومعاقبة كل من يناهض أهداف الثورة، وكل من يقاوم تطبيق النظام الاشتراكي، وتصل العقوبات في حالة التشديد إلى الإعدام. كما أحدثت لهذا المرسوم محكمة استثنائية.
  • قانون تنظيم إدارة المخابرات العامة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969 الذي أعطى الحصانة للعاملين في إدارة المخابرات من الملاحقة القضائية،[15] وكذلك المرسوم التشريعي رقم 549 لعام 1969.
  • إحداث محاكم الميدان العسكرية وذلك بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968 هذه المحاكم الاستثنائية التي لا توفر ضمانات التقاضي وحق الدفاع والتي تتبع لوزارة الدفاع، والتي كانت أداة بيد السلطة لمعاقبة المعارضين.[16] وكذلك التوسع باختصاصات القضاء العسكري خاصة في ظل تطبيق حالة الطوارئ.
  • قانون أمن حزب البعث والصادر بالقانون رقم 53 لعام 1979 والذي تم تشريعه لحماية حزب البعث وتضمن نصوص تجريم ومعاقبة قاسية قد تصل إلى الإعدام.
  • القانون رقم 49 لعام 1980 والذي يعاقب بالإعدام على مجرد الانتساب إلى جماعة الاخوان المسلمين، وكان هذا القانون بالذات سلاح بيد السلطة لتقوم بحملة انتهاكات واسعة النطاق بحق كل معارض لها.
  • قانون إحداث محكمة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968 وهي مبنية على أحكام الطوارئ حيث يتم إحداثها بقرار من الحاكم العرفي وهي تختص في كل قضية يحيلها لها الحاكم العرفي، هذه المحكمة التي ينص قانونها على أنها لا تتقيد بالإجراءات الأصولية المنصوص عليها في القوانين النافذة. هذه المحكمة التي كانت أداة للحكم على المعارضين السياسيين على مدى عقود.

هذه بعض من منظومة تشريعية متكاملة هدفت إلى تكريس النظام الشمولي، وقد رافقها جملة قوانين وإجراءات تهدف إلى قمع الحريات وتؤسس لانتهاكات واسعة النطاق.

فعلى المستوى الاقتصادي صدر قانون العقوبات الاقتصادية بالمرسوم التشريعي رقم 37 لعام 1966 ليكون أداة للتحكم بالحياة الاقتصادية ومعاقبة كل من يريد العمل خارج منظومة السلطة الحاكمة، هذا القانون الذي جاءت بعض مواده عامة ويمكن من خلالها أن تقوم السلطة بمعاقبة من تشاء مثل العقوبة بالحبس على كل عمل من أعمال مقاومة النظام الاشتراكي.

وكذلك فيما يخص حرية الإعلام والمطبوعات والنشر، بعد انقلاب البعث أصدر مجلس الثورة الأمر العسكري رقم 4 الذي ينص على إغلاق جميع الصحف وإغلاق دور النشر وتوقيف العمل بالقانون الذي كان يحكم المطبوعات والنشر، ليُفتح الباب أمام صحف الحزب الحاكم ومن يدور في فلكه.[17]

وكذلك التضييق على عمل منظمات المجتمع المدني من خلال قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته التي عملت السلطة من خلاله على حصر عمل المنظمات من خلال منظومة حزب البعث والاتحادات التي تدور في فلكه، ومنع أي نشاط مجتمعي.[18] وكذلك الحال بالنسبة للنقابات حيث أصبحت أداة من أدوات السلطة والحزب الحاكم فبعد إصدار النقابات خلال أحداث الثمانينات لبيانات اعتبرها النظام معادية قام باعتقال العديد من مجالس النقابات وأًصدر قوانين لتحكم عمل نقابات المهن العلمية، وعلى سبيل المثال نص قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 31 لعام 1981 في مادته الثالثة على ما يلي “ نقابة المحامين تنظيم مهني اجتماعي مؤمن بأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية وملتزم بالعمل على تحقيقها وفق مبادئ ومقررات حزب البعث العربي الاشتراكي وتوجيهاته”

أما فيما يتعلق بالسلطة القضائية فتم تقييد استقلالها من خلال الدستور وجملة قوانين، حيث أوكل الدستور للسلطة التشريعية وأيضاً السلطة التنفيذية من خلال صلاحياتها التشريعية التحكم بالسلطة القضائية، وكذلك من خلال إحداث المحاكم الاستثنائية وغيرها من الإجراءات، حيث أصبح القضاء الإداري يتبع لرئيس مجلس الوزراء، والقضاء العسكري يتبع لوزير الدفاع، ويرأس وزير العدل النيابة العامة كما أنه ينوب عن رئيس الجمهورية في رئاسة مجلس القضاء الأعلى. وبالمجمل استطاعت السلطة أن تقيد القضاء بحيث تحيل له من تريد وتمنع عنه من تريد.

ومن جهة أخرى فقد كان تعيين الموظفين يحتاج إلى موافقات من الأجهزة الأمنية وفروع الحزب، بحيث تم استبدال عوامل الكفاءة والنزاهة بعوامل التبعية والولاء للحزب والسلطة. وكل هذه الإجراءات سواء على المستوى التشريعي أم على المستوى التنفيذي أدت إلى ترسيخ السلطة بيد الشخص الواحد والحزب الواحد لتكون أرضية ملائمة لتاريخ طويل من الانتهاكات.

فمنذ تولي حزب البعث السلطة بدأت الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان، وتحت شعارات رفعها حزب البعث كانت في الحقيقة أدوات لقمع خصومه، وقمع الحريات. وبدأت مرحلة التنكيل بالسوريين بناء على آرائهم السياسية أو حتى المجتمعية ليتم بناء مملكة الخوف، والتي تم تكريسها إثر أحداث الثمانينات من القرن الماضي كان نتيجتها إدخال الجيش لقمع السوريين وخاصة ما حدث في مجزرة حماه، وسوق آلاف السوريين إلى المعتقلات والتنكيل بهم وتصفية الآلاف منهم تحت التعذيب، كل ذلك بدون محاكمات حقيقية. وتغييب الآلاف دون معرفة مصيرهم. ولم يتسن للسوريين كتابة السردية الحقيقية للأحداث التي كتبتها السلطة كما تشتهي، كما لم يتم محاسبة المنتهكين. لذلك بقيت هذه الانتهاكات دون محاسبة ودون تصميم برنامج للعدالة.[19] ولم تنقطع سلسة الانتهاكات حتى مطلع عام 2011 عندما بدأت الثورة السورية، فقد كان حين اندلاعها آلاف السوريين في المعتقلات، وكانت أجهزة الأمن سيف مسلط على رقاب السوريين.

ب - مرحلة النزاع الحالي:

بدأ النزاع بثورة شعبية على إثر انتهاك جديد قامت به السلطة وتمثل باعتقال عدد من طلاب المدارس في درعا بسبب كتابات على الحائط، كانت هذه هي الشرارة لاندلاع الثورة، حيث تم اعتقال الأطفال لدى أجهزة الأمن تعرضوا خلالها لانتهاكات لحقوق الإنسان، ولم تشفع لهم جميع المناشدات لإطلاق سراحهم. اتسع نطاق الثورة ليشمل العديد من المناطق السورية، وقابلها النظام بالقمع من خلال أجهزة الأمن والمرتبطين بهم من (الشبيحة) ومن ثم إدخال الجيش إلى القرى والمدن ليساهم مع أجهزة الأمن في القمع. واتسمت هذه المرحلة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من اعتقال وتغييب وقتل تحت التعذيب، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين وغيرها من الانتهاكات التي ادت إلى تحول المظاهرات لاحقاً إلى نزاع مسلح حاول النظام قمعه بكافة الوسائل ومنها محاصرة المدن والقرى وتجويعها، وقصفها بالطائرات وبكافة أنواع الأسلحة، مما أدى لمئات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين واللاجئين. وظهور الحركات الراديكالية وتدخل القوى الأجنبية.[20]

خلال هذه المرحلة حاولت السلطة القيام ببعض الإصلاحات النظرية التي تبين فوراً أنها إصلاحات شكلية دون تغيير في ذهنية السلطة الحاكمة المبنية على القمع والانتهاكات.  فبعد اندلاع الثورة تم رفع حالة الطوارئ، لكن السوريون لم يشعروا بأي تغيير حقيقة في آليات التعامل معهم، فقد استمرت أجهزة الأمن بانتهاكاتها، بل زادت دون وجود أي آليات للمحاسبة لبقاء الحصانة التي تتمتع بها هذه الأجهزة، ولعدم قدرة القضاء على التدخل.

وبموجب رفع حالة الطوارئ تم إنهاء العمل بمحكمة أمن الدولة، ولكن كان تعويضها من خلال تشريع قانون مكافحة الإرهاب،[21] وإنشاء محكمة استثنائية خاصة بقضايا الإرهاب تكون أداة بديلة لقمع المحتجين والمعارضين.[22] وكذلك تم إقرار دستور جديد كان من أبرز معالمه إلغاء المادة الثامنة التي تتحدث عن أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، ولكن هذا الدستور أبقى على سلطات الرئيس المطلقة، كما أبقى الحقوق والحريات تحت رحمة القوانين التي يستطيع الرئيس إصدارها مفصلة على المقاس الذي يريد.[23] وكذلك صدرت خلال هذه الفترة العديد من القوانين والمراسيم التي تلاحق السوريين في حرياتهم وأموالهم، والتي كانت أدوات مساعدة لاستمرار نهج الانتهاكات.[24]

وبالمجمل، فإن الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان استمرت خلال النزاع مع زيادة في مستوى الانتهاكات وكانت ملامح المنهجية في هذه الانتهاكات هي أن أجهزة الأمن المتعددة وفي جميع المحافظات تقوم بذات الانتهاكات وخاصة منهجية التعذيب والقتل تحت التعذيب، والإخفاء القسري والاغتصاب، إضافة لانتهاكات الجيش والأمن من القتل بالرصاص الحي على المتظاهرين إلى قصف المدن والقرى عشوائياً. بل كانت الأهداف التي يجب أن تتمتع بالحماية هي أهداف مقصودة مثل المدارس ودور العبادة وطواقم الإسعاف.[25] وبالتالي، فقد زادت السلطة من انتهاكاتها للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتزيد عليه الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني.

3 - مرحلة بناء السلام:

إن بناء السلام يتطلب فهم جذور الاستبداد والنزاع، وتحليل الاسباب التي أدت لكل ما حدث من انتهاكات، وتحديد المؤسسات المسؤولة، والأشخاص المنتهكين. ومواطن الخلل والتقصير في سلطات الدولة ومؤسساتها. وكذلك فهم آثار الاستبداد والنزاع على السوريين، وآثاره الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها، ومن ثم تصميم برنامج للعدالة الانتقالية يتناسب مع طبيعة الانتهاكات وجسامتها، يضمن إضافة لكشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات المهمشة، ويعزز سيادة القانون. كما لا بد لهذا البرنامج أن يولي أهمية كبرى لإصلاح المؤسسات خاصة التي لها تاريخ طويل في انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك من خلال التشريعات والأنظمة، إضافة للهيكلة، وفحص الموظفين.

وإن أي تجاوز لمفاهيم وآليات العدالة الانتقالية من شأنه تجديد الانتهاكات والنزاع، لذلك تتطلب العملية السياسية الرامية لإحلال السلام مراعاة ضرورة تطبيق آليات العدالة الانتقالية، كذلك تحقيق السلام يتطلب توافر إرادة سياسية سورية، وإرادة مجتمعية، ووعي بذلك.

 

- العدالة الانتقالية والدستور -

العدالة الانتقالية ليست غاية بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة تساعد المجتمع على تلافي أخطاء الماضي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وذلك من خلال معالجة إرث الماضي من الانتهاكات، وبناء نظام ديموقراطي يفكك منظومة الاستبداد بما يضمن عدم التكرار. وعادة ما يحمل اتفاق السلام بعد النزاعات المسلحة محددات انطلاق آليات العدالة الانتقالية، وكلما كان المجتمع منخرطاً في عملية السلام كلما كان تصميم العملية أكثر ملائمة له.

ورغم عدم اتضاح مسار الحل السياسي ومآلاته في سوريا، لكن القرارات الدولية الخاصة بسوريا وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015 تحدث عن انتقال سياسي لإقامة حكم ذو مصداقية غير طائفي، كما تحدث عن انتخابات تجري في ظل دستور جديد. وفي إطار العملية الدستورية، تم تشكيل اللجنة الدستورية التي عقدت أول اجتماع لها بتاريخ 30/10/2019.

ورغم غياب مصطلح العدالة الانتقالية في قرار مجلس الأمن، لكن الحديث عن انتقال سياسي لحكم ذو مصداقية وإنتاج دستور جديد يعني بالضرورة أن يفتح هذا الدستور الجديد الباب أمام الانتقال من نظام شمولي إلى نظام ديموقراطي. ولتحقيق ذلك لا بد للدستور الجديد من أن يحمل في مضامينه ما يؤسس لنظام حكم يضمن عدم تكرار الانتهاكات ويبني دولة القانون وحقوق الإنسان.

ولكي يحمل الدستور الجديد السلام للسوريين، ولأن السلام لا يتحقق بانتهاء الحرب وإنما بإقامة العدل، ولأن العدالة تقتضي معالجة الارث الكبير من الانتهاكات بما يضمن سلام عادل ومستدام، لذلك على الدستور الجديد أن يستجيب لتطلعات السوريين وأهمها معالجة أسباب النزاع وتفكيك النظام الشمولي، بما يمهد لبداية حقبة جديدة أساسها احترام حقوق الإنسان.

لذلك نجد أن دستور 2012 الذي صدر في بداية النزاع لم يبن السلام ولم يوقف الانتهاكات، بل على العكس فإن تجاهل هذا الدستور لمطالب السوريين، وتجاهله للأسباب التي أوصلت البلاد إلى النزاع ساهم في تأجيج النزاع وانتشاره. ولكي يؤسس الدستور الجديد لمسار حقيقي للعدالة الانتقالية لا بد أن يحمل في مضامينه المحددات التالية:

1 – بناء السردية الحقيقية لأسباب النزاع:

عادة ما تبدأ الدساتير بمقدمة أو ديباجة تتضمن الأسباب الحقيقة وراء إنتاج دستور جديد، أو بمعنى آخر الحديث عن السردية التي أدت إلى الحاجة لدستور جديد.

ففي الدستور المصري لعام 2012 ورد في ديباجته “هذا هو دستورنا.. وثيقة ثورة الخامس والعشرين من يناير التي فجرها شبابنا والتف حولها شعبنا وانحازت إليها قواتنا المسلحة، بعد أن رفضنا في ميدان التحرير وفي طول البلاد وعرضها كل صور الظلم والقهر والطغيان والاستبداد والإقصاء والنهب والفساد والاحتكار..”

أما توطئة الدستور التونسي لعام 2014 فقد جاء فيها “اعتزازاً بنضال شعبنا من أجل الاستقلال وبناء الدولة والتخلص من الاستبداد استجابة لإرادته الحرة، وتحقيقاً لأهداف ثورة الحرية والكرامة ثورة 17 ديسمبر 2010..”

أما دستور سوريا لعام 2012 والذي صدر بعد اندلاع الثورة فقد جاء متجاهلاً أسبابها، بل أشار إلى أن ما يحدث هو تحديات لكسر إرادتها، كما جاء في مقدمة الدستور تمجيد للجيش السوري في الوقت الذي كان يقصف فيه المدنيين. هذا الدستور الذي تجاهل الأسباب الحقيقية للنزاع، وجاء مستكبراً على آلام السوريين وتطلعاتهم، لذلك لم يستطع إنهاء النزاع وبناء سلام حقيقي.

لذلك يجب أن تحمل مقدمة الدستور الأسباب الموجبة الحقيقية والدافعة لإنتاج الدستور الجديد، وتكون هي مقدمة لبناء السردية الحقيقة التي تضع اليد على أسباب النزاع وتعطي ملامح بناء الدولة الجديدة القائمة على سيادة القانون.

2 – المبادئ الأساسية:

تهدف العدالة الانتقالية إلى الخلاص من النظام الشمولي، وتؤسس لمفهوم المواطنة المتساوية، لذلك يجب أن تحمل المبادئ الأساسية في الدستور ما يعزز مفهوم المواطنة والمساواة. ويجب أن تتضمن هذه المبادئ العلاج للإرث الكبير من عدم المساواة والمساس بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبالتالي يجب أن تحمل وبصورة واضحة الحقوق الثقافية والاجتماعية والثقافية للمكونات السورية. ط

فقد جاء في المادة الأولى من الدستور السوري تحت عنوان المبادئ السياسية “... هي جزء من الوطن العربي. الشعب في سورية جزء من الأمة العربية” هذه المادة لا تراعي باقي القوميات، وبالتالي يجب أن تتضمن المبادئ ما يشير إلى تنوع المجتمع السوري.

أما المبادئ الاقتصادية فقد تحدثت عن صيانة الملكية الخاصة، ورغم هذا النص فقد كانت هذه الملكية محل انتهاك دائم من قبل السلطة، مما يقتضي وجود نصوص دستورية واضحة تمنع من المساس بها، وأيضاً تحمل العلاج لما تعرضت له الملكيات الخاصة من انتهاك، وتؤسس لمبدأ جبر الضرر.

وكذلك المبادئ الاجتماعية والتعليمية والثقافية الواردة في الدستور لا تتعرض إلى التنوع في المجتمع السوري، وتتجاهل تركيبته. لذلك على الدستور الجديد أن يتضمن في مبادئه هذا التنوع ويحميه ويعطي الحق للجميع بممارسة حقوقهم الاجتماعية والتعليمية والثقافية.

ومن جهة أخرى، فتأسيس العدالة يقوم على المواطنة والمساواة، لذلك ينبغي أن تحمل هذه المبادئ نصوص واضحة بالمساواة بين الرجل والمرأة ولا يكتفى بما ورد في الدستور السوري بالقول “توفر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع”

لكل ذلك تضمنت المذكرة التوجيهية للأمم المتحدة في شأن العدالة الانتقالية ضرورة تضمين التشريعات الاعتراف والحماية الوطنيين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبعدم التمييز. وكذلك تضمين اتفاقات السلام والدساتير أحكاماً بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبعدم التمييز.[26] وفي هذا الصدد يؤكد اتفاق السلام في غواتيمالا ضرورة أن يحدد الدستور هوية البلد على أساس تعدد أعراقه وثقافاته ولغاته.[27]

3 – إدماج شرعة حقوق الإنسان:

مسار العدالة الانتقالية يحتاج إلى بيئة ملائمة، بيئة تعلي مفاهيم حقوق الإنسان، ولا تسمح للسلطات لاحقاً بالحد منها. وفي سبيل تحقيق أكبر قدر من الضمانات لتعزيز حقوق الإنسان على الدستور أن يقرر إدماج شرعة حقوق الإنسان، وأن ينص على أن العهود والمواثيق الدولية الملزمة أو المصادق عليها لا يجوز للمشرع مخالفتها. وفي هذا الصدد يقول تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار:

"توجد تدابير يمكن من خلالها العمل بشكل استباقي على تعزيز الحقوق، بأثر رجعي، من خلال معالجة انتهاكاتها، وفي المستقبل بمحاولة منع الانتهاكات، وقد انعكست بعض هذه الأدوات في هيئة نصوص قانونية في معاهدات دولية. وبذلك يمثل التصديق على المعاهدات ذات الصلة في مجالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي خطوة أساسية في إعداد سياسات عدم التكرار".[28]

 

وفي هذا الصدد يقول الأمين العام للأمم المتحدة: "مشاريع الدساتير الوطنية المتسقة مع الالتزامات الدولية هي حجر الزاوية في النظم القائمة على سيادة القانون"[29] وبالتالي فإن تضمين العهود والمواثيق الدولية، وخاصة ما يتعلق منها بحقوق الإنسان، في الدستور تشكل ضمانة إضافية لمنع التكرار، وحماية لحقوق الإنسان، وسلامة مسار العدالة الانتقالية.

3 – الحقوق والحريات:

إن الهدف من إطلاق مسار العدالة الانتقالية هو معالجة الإرث الكبير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضمان عدم التكرار، لذلك ينبغي على الدستور الجديد ضمان الحقوق والحريات، وعدم الاكتفاء بالنص عليها وإحالتها لقانون. فقد جرت العادة في الدستور السوري على النص على الحقوق والحريات وترك أمر تنظيمها للقانون. والمثال على ذلك المادة 44 التي تقول “للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سليماً والإضراب عن العمل في إطار مبادئ الدستور وينظم القانون ممارسة هذه الحقوق”، والمادة 45 “حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلمية، مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون”

ليأتي القانون لاحقاً ويفرغ هذا النص الدستوري من مضمونه، في ظل غياب تام للمحكمة الدستورية العليا من قدرتها على مراقبة دستورية القوانين، وبالتالي فإن النصوص الدستورية التي يحال تفسيرها أو تنظيمها للقانون يمكن الانقلاب عليها من خلال هذا القانون. لذلك على الدستور الجديد أن يضمن بذاته الحقوق والحريات، وأن ينص على عدم جواز أن تحد القوانين أو تمنع من ممارسة هذه الحقوق.

وعلى سبيل المقارنة فقد ورد في الدستور التونسي بعد الثورة فيما يتعلق بحق التظاهر (حرية الاجتماع والتظاهر السلميين مضمونة) وكذلك (حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات مضمونة)[30] وبالتالي فهو لم يحل هذه الحقوق للقانون، بل ضمنها بالدستور.

4 – فصل السلطات:

إن أحد أهم أسباب حدوث انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سوريا هو تفرد السلطة التنفيذية بالحكم، وبالتالي تمكن الأجهزة الأمنية من ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان دون وجود رقيب على هذه الممارسات. ومن أجل ضمان عدم التكرار لا بد من إيجاد توازن بين السلطات يضمن عدم تفرد السلطة التنفيذية بالحكم دون رقيب. لذلك على الدستور الجديد إيجاد آليات تضمن الفصل بين السلطات مع ضمان وجود رقابة برلمانية على عمل السلطة التنفيذية.

وفي هذا الصدد يقول المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار في تقريره أمام مجلس حقوق الإنسان في فقرة إصلاح الدستور ما يلي "كثيراً ما تكون ممارسات إساءة استخدام السلطة من جانب قوات الأمن وانعدام استقلال القضاء سمات مشتركة لظاهرة واحدة، وهي تضخم أجهزة السلطة التنفيذية وافتقارها للضوابط وعدم اعتداداها بالمساءلة. وتعمد بعض البلدان في أعقاب الانتهاكات الجماعية، إلى إعادة النظر في مسائل معينة مثل فصل السلطات، وتسعى إلى تقييد السلطات التنفيذية"[31]

وأياً كان نظام الحكم في الدستور الجديد، يجب أن يضمن فصل السلطات وإيجاد آليات رقابية فعالة من البرلمان تجاه أعمال السلطة التنفيذية.

5 – استقلال السلطة القضائية:

إن القضاء المستقل يشكل حماية للأفراد والجماعات من أعمال السلطة التنفيذية، ويشكل ضمانة للسوريين من تكرار الانتهاكات. ورغم أن الدستور السوري تحدث عن استقلال السلطة القضائية، إلا أن النصوص الدستورية لم تكن كافية وأحالت تنظيم السلطة القضائية للقوانين، التي عملت على إضعاف السلطة القضائية وإلغاء استقلالها.

فتحدث الدستور السوري عن السلطة القضائية في الفصل الثالث بأنها سلطة مستقلة ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى وأن رئيس الجمهورية يرأس مجلس القضاء الأعلى، وفي نفس الوقت أحال تشكيل مجلس القضاء الأعلى إلى القانون. هذا القانون وهو قانون السلطة القضائية الذي جعل وزير العدل ينوب عن رئيس الجمهورية في رئاسة مجلس القضاء الأعلى وبالتالي تصبح السلطة التنفيذية هي التي ترأس السلطة القضائية. كما أن الدستور جعل وزير العدل هو رئيساً للنيابة العامة.[32]

ولم يكتفى بذلك، بل صدرت العديد من القوانين التي توسع من سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية حيث أصبح القضاء الإداري تابعاً لرئيس مجلس الوزراء، وتوسعت صلاحيات القضاء العسكري الذي يرأسه وزير الدفاع، وسُمح للبعثيين الوصول إلى القضاء خلافاً لأحكام قانون السلطة القضائية.  وترافق ذلك مع إنشاء المحاكم الاستثنائية مثل محاكم الميدان العسكرية، ومحكمة أمن الدولة والتي استبدلت بمحكمة مكافحة الإرهاب، ومحاكم الأمن الاقتصادي وغيرها من المحاكم الاستثنائية واللجان القضائية. مع وجود قوانين تشكل حماية لعناصر الأمن من الملاحقة أمام القضاء، حتى أن رجال الأمن أصبحوا المرجعية في وصول القضاة إلى مناصبهم. ساهم كل ذلك بتوفير بيئة للسلطة التنفيذية تمكنها من المضي في انتهاكها لحقوق الإنسان، دون الخوف من إمكانية الملاحقة والمحاسبة أمام القضاء.

ولكي يكون الدستور الجديد قاطعاً لهذا التاريخ الطويل من الانتهاكات، لابد أن يوفر ضمانات استقلال القضاء والقضاة، بحيث تكون السلطة القضائية ضامنة للعدالة وللحريات. وبالتالي يجب أن يتضمن الدستور الجديد أحكام تفصيلية للسلطة القضائية، لا أن يحيل تنظيمها وسلطاتها واختصاصها لسلطة أخرى كما تم في الدستور الحالي.

فيجب أن ينص الدستور الجديد على كيفية تشكيل مجلس القضاء الأعلى واختصاصه، وألا يكون هناك تداخلاً بينه وبين السلطة التنفيذية، وأن يكون الرئيس الفعلي له هو رئيس محكمة النقض. كما يجب أن يتضمن الدستور الجديد حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية، وحظر محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، هذا النص الذي ورد في دستور 1950 ومن ثم أزيل في الدساتير اللاحقة.[33] وكذلك النص في الدستور على أن ضمانات التقاضي مصانة، ولا يجوز وضع أي عوائق من الوصول للقضاء.

وبشكل عام، فإن تعزيز استقلال القضاء والقضاة يشكل حماية من تكرار الانتهاكات، كما يشكل الأساس لإمكانية محاسبة المنتهكين لحقوق الإنسان أمام القضاء الوطني.

6 – المحكمة الدستورية:

إن سيادة القانون وسمو الدستور يشكلان أهم عناصر إقامة العدل في ظل ضمانات الاستقلال والنزاهة، ولتحقيق هذه السيادة لابد من وجود جهة تقوم على ضمان دستورية القوانين. لذلك نجد في معظم الدساتير الحديثة وجود جهة مستقلة دستورية تقوم بدور الضامن لدستورية القوانين ومنع أي سلطة من الاعتداء عليه وهي المحكمة الدستورية.

وقد عاشت سوريا عقود الاستبداد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ظل وجود نصوص دستورية تمنع كل ذلك، لكن هذه النصوص لم تكن كافية لوحدها لضمان عدم وقوع الانتهاكات، في ظل تعطل عمل المحكمة الدستورية وصدور العديد من القوانين المخالفة للدستور. فيكفي أن نعلم أن أول قرار للمحكمة الدستورية العليا في سوريا فيما يتعلق بدستورية القوانين منذ تاريخ إنشائها عام 1973 صدر في أواخر عام 2019 لنعلم أن هذه المحكمة كانت معطلة على مدى العقود الماضية.[34] ويعود سبب ذلك إلى الإشكالية في النص الدستوري المتعلق بالمحكمة الدستورية فوفقاً للدستور السوري فإن رئيس الجمهورية هو من يعين جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا ولمدة أقل من مدة ولاية الرئيس، وبالتالي فعملياً تكون هذه المحكمة خاضعة لرئيس الجمهورية ولا تستطيع القيام بدورها الحقيقي.[35]

ولكي تستطيع المحكمة القيام بدورها وخاصة ضمان دستورية القوانين لابد من أن يعيد الدستور الجديد النظر في تشكيلها ومدتها وصلاحياتها.

ففي الدستور التونسي بعد الثورة نجد أنه نص على تشكيل المحكمة الدستورية بواقع /12/ عضواً يتم تعيينهم بواقع أربع أعضاء لكل من رئيس الجمهورية ومجلس النواب والمجلس الأعلى للقضاء، ويكون تعيينهم لمرة واحدة ولمدة تسع سنوات.  وبالتالي فإن هذا التشكيل يضمن قيام المحكمة الدستورية بدورها كجهة ضامنة للفصل بين السلطات، وكذلك مدة التعيين أطول من مدة من قام بتعيينهم من السلطة التنفيذية والتشريعية وهذا ضامن لكي يكونوا أكثر استقلالاً.[36]

أما الدستور الفرنسي فقد نص على أنه يتألف المجلس الدستوري من تسعة أعضاء يعين رئيس الجمهورية ثلاثة منهم، وثلاثة من قبل رئيس الجمعية الوطنية، وثلاثة من قبل رئيس مجلس الشيوخ، ولمرة واحدة لمدة تسع سنوات.[37]

كما يجب أن يضمن الدستور الجديد قدرة المحكمة على النظر في دستورية القوانين قبل إصدارها، وكذلك تمكين المنظمات الحقوقية من الطعن أمامها بعدم دستورية القوانين التي تتعارض أو تحد من حقوق الإنسان.

7 – المؤسسات الدستورية:

إن مبادئ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وسيادة القانون وسمو الدستور وغيرها هي مبادئ ضرورية لضمان بناء نظام ديموقراطي يحمي حقوق الإنسان، وهي مبادئ تتواجد في معظم الدساتير.

لكن في الدول الخارجة من نزاع مسلح أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فإن دساتيرها تتطلب إيجاد مؤسسات دستورية تعالج حقبة الاستبداد والنزاع، وتضمن عدم التكرار. هذه المؤسسات يجب أن يتضمنها الدستور ويحدد الملامح الأساسية لها، ويترك للقوانين الاهتمام بالتفاصيل. وكثير من الدول تبنت مفهوم هذه المؤسسات الدستورية كضرورة لبدء مسار العدالة الانتقالية، ومعالجة حقبة الماضي، وكذلك لضمان عدم التكرار، وتعزيز مفاهيم حقوق الإنسان.

وسوريا عانت كثيراً من نظام شمولي ترافق مع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أوصلت البلاد لنزاع مسلح دامي مازال مستمراً. لذلك على دستورها الجديد تبني هذه المؤسسات لتحقيق التغيير المطلوب. هذه المؤسسات تنشأ بنص دستوري يضمن استقلالها، وغالباً يتم تعيين أعضائها من البرلمان بعيداً عن السلطة التنفيذية.

وقد وردت هذه المؤسسات في العديد من الدساتير التي جاءت بعد نزاع مسلح أو حكم شمولي، فقد نص الدستور العراقي عام 2005 على إنشاء هيئات مستقلة وهي المفوضية العليا لحقوق الإنسان، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة النزاهة.[38] كما تضمن الدستور التونسي في بابه السادس تحت عنوان الهيئات الدستورية الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة الإعلام، وهيئة حقوق الإنسان، وهيئة التنمية المستدامة، وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.[39] ونص الدستور التونسي في مادته 148 بأن تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها. وقد قامت هيئة الحقيقة والكرامة التونسية بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان منذ عام 1955. كذلك تم تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب افريقيا عام 1995 التي تولت كتابة السردية المتعلقة بالفصل العنصري، والكشف عن الحقيقة.[40]

وبشكل عام فإن الدول الخارجة من نزاع مسلح أو نظام شمولي، تعاني مؤسساتها الكثير من الإشكاليات، ويترافق مع ضعف في مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية. لذلك فإن تشكيل هيئات دستورية مستقلة معينة من البرلمان يضمن إلى حد ما قيام هذه الهيئات بأدوارها بعيداً عن نفوذ السلطة التنفيذية التي غالباً تتحكم بها الأجهزة الأمنية والسلطوية.  لذلك على الدستور الجديد أن يتبنى إنشاء هذا النوع من الهيئات بما يشكل ضمانة إضافية لحقوق الإنسان وبدء مسار حقيقي للعدالة الانتقالية.

8 - الأحكام الانتقالية في الدستور:

بشكل عام تتضمن الأحكام الختامية والانتقالية للدستور مواداً تتحدث عن آليات تعديل الدستور والقوانين التي تتعارض معه. ولكي يكون الدستور الجديد مؤسساً لعهد جديد بعيداً عن الاستبداد ويطلق مسار العدالة الانتقالية، لابد أن تحمل أحكامه الانتقالية ما يضمن إلغاء جميع القوانين التي تتعارض معه.

فدستور 2012 يتحدث عن بقاء التشريعات الصادرة قبل إقرار الدستور سارية إلى أن تعدل بما يتوافق مع أحكامه، على أن يتم التعديل خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات.[41] بينما دستور 1973 فقد نص على بقاء التشريعات النافذة قبل إقرار الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما يوافق أحكامه، ودون تحديد مدة لذلك.[42] وعملياً، بقيت الكثير من القوانين المخالفة للدستور سارية المفعول، ولم تتأثر بتغير الدستور، ولم تقم أي جهة بمراجعتها وتعديلها بما يتوافق مع أحكامه.

لذلك على الدستور الجديد أن يقرر في أحكامه الانتقالية ما يفيد بإنهاء العمل بالتشريعات التي تخالف أحكامه، وبشكل خاص المتعلقة بالحقوق والحريات. ومن جهة أخرى يمكن أن تتضمن الأحكام الانتقالية ما يفيد بوجوب إطلاق مسار العدالة الانتقالية، ففي الدستور التونسي نجد أنه ينص على التزام الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها، ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بسقوط الجريمة أو العقاب بمرور الزمن.[43] بينما ينص دستور مصر لعام 2014 على التزام مجلس النواب بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية.[44]

وصحيح أن مسار العدالة الانتقالية يبدا بقانون، ولكن لا يجوز ترك أمر هذا القانون بيد السلطات القادمة، وإنما لا بد من وجود قواعد دستورية تضمن إطلاق هذا المسار وتحدد إطاره الزمني.

9- المجتمع المدني والعدالة الانتقالية في الدستور:

إن نجاح مسار العدالة الانتقالية لا يمكن أن يتحقق فقط بنصوص دستورية وقانونية، بل لابد من انخراط المجتمع في هذه العملية. لذلك فإن إطلاق دور منظمات المجتمع المدني سيساهم في تعزيز فرص نجاح العدالة الانتقالية وتعزيز الحقوق والحريات، ويساعد في منع تكرار الانتهاكات. ولإيجاد بيئة آمنة لعمل منظمات المجتمع المدني لابد من تعديل القانون الناظم لعملها وبالأخص قانون الجمعيات السوري الذي أعطى للسلطة التنفيذية كامل الصلاحيات بقمع أي نشاط للمجتمع المدني يخالف إرادتها.[45]

لذلك على الدستور الجديد وضع قواعد تضمن بيئة ملائمة لدور المجتمع المدني تلزم المشرع باعتماد قانون يطلق لها الحرية في العمل. وفي هذا الصدد يقول المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار حول دور المجتمع المدني في العدالة الانتقالية:

"لابد من التفكر والبحث في إيجاد سبل يمكن من خلالها أن يسهم تعزيز قدرة المجتمع المدني في منع نشوب النزاعات، وأنه ما كان ليتحقق تقدم كبير في مجالات الحقيقة والعدالة والجبر دون مشاركة المجتمع المدني، ويعود الكثير من الفضل في أن تظل المساءلة ضمن بنود البرامج السياسية في البلدان التي لها تاريخ من الانتهاكات الجماعية إلى أنشطة الدعوة التي تمارسها منظمات المجتمع المدني. وأن وجود مجتمع مدني قوي يستطيع الأفراد والجماعات فيه ممارسة حقوقهم، يقلل احتمالات انتهاك الحقوق.

وسيكون من الخطأ التفكير في مشروع لتعزيز قدرات المجتمع المدني من خلال اتباع نموذج للإصلاح المؤسسي، لأنه لا يجوز اختزال المجتمع في مجموعة مؤسسات رسمية، وخاصة أن المجتمع المدني بطبيعته لا يشكل جزءاً من النظام الحاكم. "[46] وبالتالي، ومن أجل سلامة مسار العدالة الانتقالية، لا بد من إطلاق دور المجتمع المدني، وعلى الدستور الجديد ضمان ذلك بنصوص واضحة لا يمكن للسلطة التنفيذية عرقلتها.

10 – الإصلاحات الدستورية الأخرى المرتبطة بالعدالة الانتقالية:

إن مسار العدالة الانتقالية يجب أن يتنبه إلى أخطاء الماضي، والأسباب الحقيقة وراء هذا الإرث الكبير من الانتهاكات، والقيود التي يمكن أن تعرقل عمله. لذلك على الدستور الجديد أن يراعي في بنائه عدم وجود أي قدرة ليستطيع النظام من استنساخ نفسه، والعودة إلى ممارسة الاستبداد.

لذلك على الدستور التنبه للمؤسسات التي سبق أن مارست الاستبداد والعمل من خلال النص الدستوري على تقييد دورها، وعدم المساح لها مجدداً بأن تكرر ذات الأفعال.

ولأن للسوريين تاريخ طويل من المعاناة مع انتهاكات المؤسسات الرسمية وبشكل خاص الأمن والجيش، على الدستور الجديد أن يضمن من خلال نصوص واضحة تقييد عمل هذه المؤسسات ضمن الدور الوطني المناط بها، وعدم السماح لها بالتعدي على الحقوق والحريات.

كما على الدستور معالجة النص المتعلق بإعلان حالة الطوارئ، هذه الحالة التي رزح تحتها السوريون عقوداً طويلة، وأن ينص على عدم جواز إعلانها إلا ضمن شروط محددة وبموافقة البرلمان وضمن مدة زمنية ومكان محددين. والنص على أن هناك حقوقاً لا يجوز المساس بها حتى في حالة الطوارئ.

 

- الخاتمة -

إن تضمين العدالة الانتقالية في الدساتير بعد النزاع، لا يعني فقط إدخال هذا المصطلح، أو إنشاء هيئة خاصة بالعدالة الانتقالية. وإنما يجب الغوص في جذور الإشكاليات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وفهم الأسباب التي أدت إلى قيام منظومة الاستبداد والحوامل التي قامت عليها، وما ترافق مع هذه الحقبة من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وفهم دور السلطات والمؤسسات والنظم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ترافقت معها، والعمل على تفكيك هذه المنظومة من خلال دستور يضمن الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، وإعلاء كرامة المواطن فوق كل اعتبار، وسيادة القانون وسمو الدستور، وضمان الحقوق والحريات. وإلغاء جميع القوانين التي تتعارض مع الدستور.  ليكون الدستور الجديد هو الحد الفاصل بين حقبة الاستبداد والانتهاكات، وحقبة جديدة تكون فيها سوريا دولة قانون ومؤسسات، دولة مواطنة وحقوق إنسان.

وتبقى الإشكالية، أن تضمين العدالة الانتقالية في الدستور يتطلب عدة عوامل لم تتوفر حتى الآن في السياق السوري، فالنظام السوري مستمر بالانتهاكات والاستبداد دون أي اعتراف بذلك، ودون وجود إرادة سياسية بالتغيير الحقيقي. وجزء من المعارضة المسلحة نهج سلوك النظام في الانتهاكات، وبالتالي فإن هناك مخاوف من الاتفاق على حلول تتجاوز قضية العدالة الانتقالية.

كذلك يبحث المجتمع الدولي عن حل للنزاع في سوريا في ظل انقسام وفيتو روسي حاضر يعيق أي تقدم في إطار المساءلة والمحاسبة. لذلك كانت القرارات الدولية خجولة في التعبير عن حقيقة أسباب النزاع. ويمكن إضافة إشكالية أخرى وهي تصميم الحل السياسي، فبعد القرار 2254 طرح المبعوث الخاص فكرة السلال الأربعة، وبعد مؤتمر سوتشي أصبح الدستور هو مدخل العملية السياسية، لذلك فإن العمل على الدستور في ظل توقف العملية السياسية وتعنت النظام يشكل خطراً من إمكانية إنتاج دستور ملائم للسوريين.

لذلك على المجتمع المدني الحامل الحقيقي لإرادة التغيير وإطلاق مسار العدالة الانتقالية، وبشكل خاص المنظمات الحقوقية الضغط على جميع الأصعدة المحلية والدولية لمنع إنتاج دستور يتجاوز آلام السوريين.

 

- مراجع البحث -

  • دستور سوريا 1950.
  • دستور سوريا 1973.
  • دستور سوريا 2012.
  • دستور فرنسا 1958.
  • دستور العراق 2005.
  • دستور مصر 2014.
  • دستور تونس 2014.
  • المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012.
  • القانون رقم 10 لعام 2018.
  • قانون تنظيم إدارة المخابرات العامة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969.
  • قانون إحداث المحاكم الميدانية ـ الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968.
  • القانون رقم 19 لعام 2012.
  • القانون رقم 22 لعام 2012.
  • قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته.
  • قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 98 لعام 1961.
  • قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 7 لعام 2014.
  • المذكرة التوجيهية لنهج الأمم المتحدة في شأن العدالة الانتقالية.
  • تقرير الأمين العام حول تعزيز أنشطة الأمم المتحدة في مجال سيادة القانون – الجمعية العامة للأمم المتحدة – الدورة السبعون.
  • تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بعنوان سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع تاريخ 23/8/2004 رقم s/2004/616.
  • مذكرة توجيهية أعدها الأمين العام للأمم المتحدة بعنوان نهج الأمم المتحدة في شأن العدالة الانتقالية ـ رقم 12-38576.
  • تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار أمام مجلس حقوق الإنسان ـ الدورة الثلاثون لعام 2015
  • مجلس حقوق الإنسان ـ الدورة الثانية عشرة ـ دراسة تحليلية بشأن حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية تاريخ 6/8/2009.
  • تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان.
  • المركز الدولي للعدالة الانتقالية ـ موقع المركز ـ
  • تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
  • مفهوم العدالة الانتقالية ودور المجتمع المدني بتطبيقها – علاء الدين رشوان.
  • عبد الحسين شعبان – العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا – موقع الحوار المتمدن.
  • الدساتير المتعاقبة في سوريا ـ مركز إدراك للدراسات والاستشارات.
  • المسألة الدستورية في سوريا – مقاربة سياسية – مركز عمران.
  • الآلية القانونية لهيمنة حزب البعث في سوريا ـ الكاتب أنور البني ـ موقع الحوار المتمدن.
  • سوريا في معتقل البعث – قصة وطن – خلود الزغير.
  • العدالة الانتقالية في افريقيا مظاهر تفكيك الأنظمة السلطوية ـ المركز الديموقراطي العربي.

 

[1] - مفهوم العدالة الانتقالية ودور المجتمع المدني بتطبيقها – علاء الدين رشوان.

https://syrianvoices.wordpress.com/transitional-justicecivil-society-rol/

[2] - تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بعنوان سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع تاريخ 23/8/2004 رقمs/2004/616 الرابط https://www.ictj.org/sites/default/files/UNSC-Global-Justice-Post-conflict-2004-Arabic.pdf

[3] - مجلس حقوق الإنسان ـ الدورة الثانية عشرة ـ دراسة تحليلية بشأن حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية تاريخ 6/8/2009.

[4] - المركز الدولي للعدالة الانتقالية ـ موقع المركز ـ على الرابط التالي https://www.ictj.org/ar/about/transitional-justice

[5] - المركز الدولي للعدالة الانتقالية ـ المرجع السابق.

[6]  - عبد الحسين شعبان – العدالة الانتقالية وذاكرة الضحايا – موقع الحوار المتمدن – الرابط www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=122262&r=0

[7]  - مذكرة توجيهية أعدها الأمين العام للأمم المتحدة بعنوان نهج الأمم المتحدة في شأن العدالة الانتقالية ـ رقم 12-38576

[8]  - المرجع السابق.

[9]  - المرجع السابق.

[10]  - المرجع السابق.

[11]  - المرجع السابق.

[12]  - المرجع السابق.

[13]  - الدساتير المتعاقبة في سوريا ـ مركز إدراك للدراسات والاستشارات

[14]  - المسألة الدستورية في سوريا – مقاربة سياسية – مركز عمران

[15]  - قانون تنظيم إدارة المخابرات العامة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969.

[16]  - قانون إحداث المحاكم الميدانية ـ المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968.

[17]  - الآلية القانونية لهيمنة حزب البعث في سوريا ـ الكاتب أنور البني ـ موقع الحوار المتمدن.

[18]  - قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته.

[19] - سوريا في معتقل البعث – قصة وطن – خلود الزغير https://souriahouria.com/سوريا-في-معتقل-البعثالأسد-قصة-وطن-2/

[20] - تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان https://www.ohchr.org/AR/HRBodies/HRC/IICISyria/Pages/IndependentInternationalCommission.aspx

[21]  - القانون رقم 19 لعام 2012.

[22]  - القانون رقم 22 لعام 2012.

[23]  - دستور سوريا لعام 2012.

[24] - ومنها قانون مكافحة الإرهاب وإنشاء محكمة استثنائية لتنظر في هذه القضايا – القانون 19 و22 لعام 2012

وكذلك قوانين تمس بالملكيات مثل المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018

[25]  - تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان sn4hr.org/arabic/?gclid=CjwKCAiAmNbwBRBOEiwAqcwwpYDVlF72t72MaYvOSHGmCTETtRn5pvPNy3c6HbsH9UQTHL5wereE9BoCUx0QAvD_BwE

[26]  - المذكرة التوجيهية لنهج الأمم المتحدة في شأن العدالة الانتقالية

 http://sl4c.org/ar/wp-content/uploads/2016/03/نهج-الأمم-المتحدة-في-العدالة-الانتقالية.pdf

[27]  - المرجع السابق.

[28]  - تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار – مجلس حقوق الإنسان – الدورة الثلاثون لعام 2015

https://undocs.org/pdf?symbol=ar/A/HRC/30/42

[29]  - تقرير الأمين العام حول تعزيز أنشطة الأمم المتحدة في مجال سيادة القانون – الجمعية العامة للأمم المتحدة – الدورة السبعون

https://undocs.org/pdf?symbol=ar/A/70/206

[30]  - الدستور التونسي 2014 المواد 35-37

[31] - تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار أمام مجلس حقوق الإنسان ـ الدورة الثلاثون لعام 2015

https://undocs.org/pdf?symbol=ar/A/HRC/30/42

[32]  - قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 98 لعام 1961.

[33]  - دستور 1950 الذي ينص في المادة العاشرة على عدم جواز إحداث محاكم استثنائية، وعدم وجواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

[34]  - https://arabic.rt.com/middle_east/1058278-المحكمة-الدستورية-سوريا-تلغي-قوانين-مجلس-الدولة/

[35]  - المواد 141 – 143 من دستور سوريا 2012 وقانون المحكمة الدستورية العليا رقم 7 لعام 2014

[36]  - الدستور التونسي لعام 2014

[37]  - الدستور الفرنسي لعام 1958

[38]  - الدستور العراقي لعام 2005 – المادة 102.

[39]  - الدستور التونسي لعام 2014 ـ المواد 125 إلى 130.

[40] - العدالة الانتقالية في افريقيا مظاهر تفكيك الأنظمة السلطوية ـ المركز الديموقراطي العربي ـ الرابط

https://democraticac.de/wp-content/uploads/2018/10/العدالة-الانتقالية-في-أفريقيا-مظاهر-تفكيك-الأنظمة-السلطوية-دراسة-في-تجارب-لجان-الحقيقة-مكتسبات-وتحديات.pdf

[41] - دستور سوريا 2012 – المادة 154

[42] - دستور سوريا 1973 – المادة 153

[43]  - دستور تونس لعام 2014 – المادة 148/9

[44] - دستور مصر لعام 2014 – المادة 241

[45]  - قانون الجمعيات السوري رقم 93 لعام 1958

[46] - تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار – مجلس حقوق الإنسان – الدورة الثلاثون – لعام 2015.

قراءة 506 مرات آخر تعديل على الإثنين, 18 أيار 2020 09:05