مقالات

الإثنين, 12 نيسان/أبريل 2021 04:32

( في تركيا ) أطفال سوريون فقدوا حق التعليم - الأستاذ طه الغازي

في السابع و العشرين من شهر آب من عام 2019 أصدرت ولاية إسطنبول بيانها الصحفي ( المقيد بالرقم : 48 - 2019 ) ، البيان الذي كان بصيغة قرار إداري تم تنسيقه و تنظيمه مع مديرية الهجرة في الولاية ذاتها تضمن إلزامية مغادرة الأفراد و الأسر و العائلات السورية الولاية ( ممن لا يمتلكون بطاقة حماية مؤقتة صادرة عن مديرية الهجرة في إسطنبول ) حتى موعدٍ أقصاه 30 تشرين الأول من نفس العام .
مرجعية القرار :
القرار - البيان - كان بناءً على مخرجات نتائج إنتخابات بلدية إسطنبول الكبرى İBB و التي على إثرها فقد الحزب الحاكم AKP رئاسة البلدية لصالح حزب الشعب الجمهوري CHP ، حينها حاولت قيادات AKP إعادة الحاضنة و القاعدة الشعبية لها في الولاية و ذلك بعد أن ربط معظم النقاد و الساسة نتائج الإنتخابات بحالة اللجوء السورية في مختلف الجغرافية التركية .
القرار كان إسقاطاً لواقع النزاع السياسي بين الأحزاب التركية على حالة اللجوء السورية ، إذ غدت جوانب الحياة الإجتماعية للاجئ السوري ميدان صراع و استقطاب سياسي من قبل - فئة - من تلك التيارات و الأحزاب .
فحوى القرار :
القرار كان قائماً على صيغة بيروقراطية لم ينظر في وضع الأفراد أو الأسر أو العائلات السورية اللاجئة من منظور إنساني ، حيث تضمن إلزامية مغادرة كل الأفراد و العائلات ( الذين لا يمتلكون وثائق أو بطاقات حماية مؤقتة صادرة من مديرية الهجرة في إسطنبول ) الولاية إلى ولاياتهم التي نالوا منها وثائقهم .
كما شمل القرار على بعض الحالات الإستثنائية التي يحق لأصحابها البقاء في إسطنبول و تسوية أوضاعهم الإدارية ، نستذكر من تلك الحالات :
▪︎الطلاب الذين كانوا قد التحقوا بالمدارس الحكومية خلال العام الدراسي 2018 - 2019 ( يتم تسوية أمورهم مع كامل أفراد عائلاتهم ) ، يلحق بهؤلاء طلاب الجامعات .
▪︎العائلات التي لديها أفراد يمتلكون وثائق من ولايات مختلفة ( يتم تسوية أمور تلك العائلات في حال تواجد فرد من أفرادها لديه وثيقة أو كملك إسطنبول ) .
▪︎الأطفال الأيتام أو من في حكمهم .
▪︎التجار و الصناعيون و أصحاب أماكن العمل المرخصة ، شريطة أن يكون الحد الأدنى لبيان فعالية نشاطهم التجاري لا تقل عن 3 أشهر .
بيروقراطية القرار :
بالرغم من تحديد مديرية الهجرة لبعض الحالات الإستثنائية التي يحق لها تسوية وضعها الإداري ، لم يكن ذاك الحق في متناول تلك الحالات بأجمعها ، حيث لم تتجاوز نسبة المستفيدين 30% ، و بقي سَوَادهم ينتظر نيل مراده ، يعزى السبب من وجهة نظر المؤسسات الحكومية إلى جائحة كورونا و دورها في تعطيل عمل كوادر تلك المؤسسات لكن جوهر الفصل في ذلك يعزى إلى - الكيفية الوظيفية - التي رافقت موظفي دوائر الهجرة في تعاملهم مع قضايا اللاجئ السوري ، فلا سلطة على عمل الموظف و لا رقيب على أدائه الوظيفي ، فبات على إثر ذلك القانون و بنوده متبايناً في التفسير و التنفيذ بين الموظف و زميله في نفس الدائرة الوظيفية ( و أحياناً في نفس الغرفة ) ، الأمر الذي كان و مازال عبئاً ثقيلاً على الأسر و العلائلات السورية اللاجئة ، و التي يكون مستقبل حياتها الإجتماعي و المعيشي متوقفاً على إبتسامة ذالك الموظف و سماحة وجهه و صفاء نيته و قربه أو إنتمائه لإحدى التيارات السياسية التي ترحب باللاجئين كإخوة ضاقت عليهم الأرض بما رحبت .
الأطفال الحلقة الأضعف :
بعد القرار ظهرت حالات جمّة لأطفال لاجئين لم يتمكنوا من الإلتحاق بالمدارس الحكومية و كان العائق أمامهم هو ما نص عليه القرار تارةً و عدم رغبة و تنصل - بعض - الجهات و المؤسسات الحكومية من مناجدة هؤلاء الأطفال تارةً أخرى ، حتمية الأمر كانت في تسرب الأطفال من المدارس و سَوقِهم مرغمين إلى ورشات و أماكن العمل من قبل ذويهم .
خلال الأشهر الماضية ( بدءً من شهر أيلول 2020 ) و وفق بيانات و إحصائيات الهيئات الحقوقية التركية ، يتواجد في إسطنبول ما يناهز 1400 طفل و طفلة غير ملتحقين بالمدارس الحكومية ، منهم من شملتهم الحالات الإستثنائية و بالرغم من ذلك رفضت - بعض - إدارات المدارس و جهات حكومية متابعة أوضاعهم و منحهم حق التعليم ، و منهم من يمتلك وثائق حماية مؤقتة صادرة من غير ولاية أو لم يمتلكها بعد ، و منهم كان وقيعة لامبالاة - فئة - من موظفي دوائر الهجرة و الهيئات الملحقة بها ، من تلك الحالات :
▪︎طالب ( لا يمتلك كملك أو نال مع أبويه كملكاً من غير ولاية ) و هو قد أتم المرحلة الإبتدائية في إحدى مدارس إسطنبول ، و بعد إنتقاله إلى المرحلة الإعدادية ترفض إدارة المدرسة تقييده .
▪︎طفل أبواه مقيمان في إسطنبول و يحملان و ثيقتها
ولد الطفل في ولاية ما و نال الكملك من تلك الولاية ، فيأتي الموظف و يطلب من الأسرة أن يغادر كل فردٍ من أفرادها إلى ولايته ( مع دهشة الأبوين كيف سيرسلان طفلهما بمفرده إلى الولاية التي ولد فيها و يحمل وثيقتها ! ) .
▪︎طالب في إحدى المدارس ( لا يمتلك الكملك أو لديه كملك من غير ولاية ) و هو منذ سنوات مقيد في إحدى المدارس ، يراجع رفقة والديه و أسرته دائرة الهجرة أو شعبة الأجانب ، فيطلب منهم الموظف إحضار ( وثيقة طالب ) صادرة من المدرسة كي يقوم بإجراءات تسوية وضعهم الإداري ، حينها يبدو الأمر هيناً على الأسرة ، فيراجعون إدارة المدرسة لكنها ترفض بدورها منحهم الوثيقة و تطلب منهم تواجد وثيقة إسطنبول مع الطالب ، و تبقى الأسر ككرة الطين تتقاذفها أيدي اللامبالين بهموم و مصاب اللاجئين .
معظم الأسر اللاجئة و بعد فشلها في إلحاق أطفالها بالمدارس الحكومية قررت - تحت سلطة الأمر الواقع - إقحامهم في سوق العمل و في بيئات لا تلائم الحالة الجسدية و العاطفية لهؤلاء الأطفال .
نماذج متباينة أكدت أن الأطفال ( ما بين 11 - 17 عاماً ) فقدوا مشاعر وعواطف الطفولة أثناء تواجدهم في بيئات عملهم القسرية ، و تعرضوا لحالات تنمّر ، و اكتسبوا سلوكيات و أخلاقيات سلبية مقارنة بأقرانهم في المدارس ، كذلك شهدت بعض أماكن العمل حالات تحرش جنسية بفتيات قُصّر يبلغن من العمر ( 13 - 16 عاماً ) لم يكنّ قادرات على الإلتحاق بالمدارس ، كذلك برزت نماذج عائلية تمثلت في زواج فتيات دون 17 عاماً و اللاتي تطلقن بعد عام من زواجهن و منهن من غدت أماً .
بقاء الأطفال ممن أعمارهم دون 17 عاماً دون تعليم ، و دون وجود منظومة حكومية تعالج قضاياهم و تحقق لهم ( نسبياً ) حقهم في حياة الطفولة سيضعنا أمام مفترق طرق في السنوات القادمة ، فهؤلاء الأطفال سيكونون هدفاً لمجموعات تتاجر بكل الجوانب الحياتية المتعلقة بهم ( إدمان المخدرات ، الإستغلال الجنسي ، الإستغلال الفكري ، التجارة بالبشر ، تجارة الأعضاء ، .... ) .
الحلول المقترحة :
▪︎دمج هؤلاءالأطفال بنظام تعليمي مرافق للنظام التعليمي المدرسي ، و ذلك من خلال مراكز التعليم الشعبي Halk Eğitim أو مراكز مرفقة بمديريات التربية في كل منطقة .
▪︎لا بد للهيئات و المنظمات و الجمعيات السورية أن تقوم بدورها و واجبها اتجاه قضية هؤلاء الأطفال ، فهذه الجمعيات و المنظمات تأسست جُلها بعد عام 2013 على أسس العمل الخيري و التطوعي ، و افتتحت مراكزاً تعليمية مجانية كان لها الدور في حفظ و صون حقوق الأطفال في التعليم و التربية المجتمعية ، - لكن - انحرفت بوصلة العمل الخيري و التطوعي عند معظم تلك الجمعيات فباتت تلك الجمعيات - الخيرية - واجهة لمشاريع تجارية و باتت المراكز التعليمية المجانية مدارس خاصة أو دولية ، تفرض على طلابها رسوماً بالدولار ، ولم يعد تنافسها فيما بينها على جودة التعليم و تقديم العون للأطفال اللاجئين بقدر ما أصبح التنافس بينها على حضور المؤتمرات و الندوات و كسب ما يستطاع إليه السبيل من منافذ الدعم المادي .
إحصائيات رسمية :
قدمت وزارة التربية التركية إحصائيات و بيانات متعلقة بملف تعليم الطلاب السوريين المتواجدين في تركيا ، الإحصائية التي صدرت بتاريخ 20 حزيران من عام 2020 جاءت على النحو الآتي :
▪︎أعداد الطلاب السوريين المقيدين في مرحلة الروضة 35553 .
▪︎أعداد الطلاب السوريين المقيدين في المرحلة الإبتدائية 338807 .
▪︎أعداد الطلاب السوريين المقيدين في المرحلة الإعدادية
222703
▪︎أعداد الطلاب السوريين المقيدين في المرحلة الثانوية
89518
في منطقة K.Çekmece التابعة لولاية إسطنبول كانت أعداد الطلاب السوريين وفق بيانات مديرية التربية في المنطقة ( حتى تاريخ 8 نيسان 2021 ) كما يلي :
▪︎مرحلة الروضة : 196
▪︎المرحلة الإبتدائية : 3869
▪︎المرحلة الإعدادية : 2785
▪︎المرحلة الثانوية : 419
مع دراسة المخططات البيانية لأعداد الطلاب ، نلاحظ تناقصاً حاداً في نسبهم مع تقدم المراحل الدراسية ( لأسباب جمّة سنقدمها في مقالٍ آخر ) .
يجدر الذكر في هذا السياق بأن الدستور التركي في مادته 42 ينص على منح الطفل كامل حقوقه التعليمية ، و لا يجوز وفق ذلك منع التعليم عن أي طفل كان لأي سببٍ من الأسباب .
عدم إلتحاق هؤلاء الأطفال بالمدارس أو شملهم بنظام تعليمي محدد سينذر بكارثة مجتمعية في السنوات القادمة ، لذلك لا بد لكل الأطراف ( الحكومة التركية ، الهيئات و المنظمات السورية ، الأسر ، ... ) أن تتحمل مسؤوليتها بكل إنسانية وبكل أمانة .
قراءة 167 مرات آخر تعديل على السبت, 08 أيار 2021 09:38