مقالات

الإثنين, 08 تشرين2/نوفمبر 2021 05:59

تبيان إشكالية دعوى ترحيل السوريين في تركيا . ( مقال رأي قانوني للزميل الأستاذ زهير مارديني )

إشكالية دعوى ترحيل السوريين في تركيا .
المحامي زهير مارديني 
 
قد لا أكون بموقع ومقام يسمح لي بالإلمام الكامل بهذه المسألة القانونية الحساسة وهناك أساتذة محامين سوريين يقيمون في تركيا هم أقدر مني على تقديم الإحاطة لكنني أرغب ببيان رأيي حول مسألة ترحيل السوريين في تركيا بضوء تجربتي المهنية حيث إن مسألة ترحيل المقيمين في بلد ما لا تخلو من تجاوزات تتفاوت عتبة حدودها تبعاً للبيئة السياسية وتجاذباتها و استقلال القضاء ومدى قوته أمام السلطات الإدارية والسياسية بالعموم , والجمهورية التركية ليست استثناءً من هذا الأمر , فخلال إقامتي في تركيا وعملي بمتابعة القضايا القانونية للجالية السورية اعترضتني عدة دعاوى ترحيل لسوريين مقيمين في تركيا كُلفت من قبل ذويهم بالإشراف عليها ومتابعتها وإسداء المشورة القانونية لهم .
وهنا أقطع الشك باليقين بأن ما يسمى اصطلاحاً " دعوى منع ترحيل" في تركيا من أكثر الدعاوى إرباكاً وإبهاماً ونتيجة غير متوقعة بحسب ما أشار لي محام سوري مشهود له بالاقتدار وهو مقيم في اسطنبول منذ سنوات (نتيجتها غالباً ما بتبيّض الوجه) ونصحني بالابتعاد عن هذا النوع من الدعاوى قدر الإمكان وتبيان مدى خطورة الأمر لذوي الموكل وهذه هي الأخلاق الحقيقية لمهنة الفرسان , على عكس ما يقوله بعض الزملاء المحامين من الأتراك والسوريين عن ضمان نتيجتها بشكل كامل بعدم الترحيل أو حتى تزييف الواقع بعرض الأرشيف الموجب (سجل الدعاوى الرابحة فقط) دفعاً لذوي الموكل للتعاقد توكيلاً بالخصومة مع دائرة الهجرة التركية .
فقرار ترحيل المُقيم السوري يتم اتخاذه من قبل إدارة الهجرة التركية مُباشرةً بُعيد اشتراك السوري بأي مُشاجرة أو إشكال أمني أدّى لتدخّل الدرك أو الشرطة أو شكوى ما بحقه أدّت لدخوله إلى أقسام الشرطة وذلك على سبيل المثال لا الحصر بيد أن ذلك يتطلّب المتابعة القانونية مباشرةً كمريض دخل الإسعاف وهو بحالة خطر شديد ليس من الهيّن المُقامرة بالتسليم بترحيله دون محاولة إنقاذ قانونية.
ومدعاة المفاجأة بالأمر أنه حتى لو حاز المقيم السوري على براءة من تهمة كانت قد وجهت إليه فإنه "في الغالب" سيُتخذ قرار بترحيله بعدها بشكل شبه أوتوماتيكي من قبل دائرة الهجرة التركية ! وهنا مكمن المثلبة القانونية آملاً باستبدالها بإجراء إصلاحي, عندها يُصار إلى التوقيف الإداري تمهيداً للترحيل نحو الوجهة التي يختارها من صدر القرار بحقه فيما لو توفر له خيار المغادرة لبلد غير سوريا وبغالب الأحيان بالنسبة لمن هم يحملون "بطاقة حماية مؤقتة-يخضع لقانون الحماية المؤقت" يتم ترحيلهم نحو الشمال السوري الخاضع للنفوذ السياسي والعسكري التركي.
وبحسب ما رأيت استقراءً من الحالات التي تصدّيت لها بالمتابعة أو اطلعت على ملفاتها بالحد الأدنى فإن الدعاوى المُتعلقة بالأمن الوطني أو النظام العام والمُتعلقة تحديداً بالصلات مع تنظيمات مُصنفة على أنها إرهابية يتم التعامل معها بحزم وتدقيق شديدين وتحفّظ على إخلاءات السبيل من قبل قاضي صلح الجزاء الناظر بمسألة إخلاء السبيل حتى التحقق بالكامل من حالة الشخص الموقوف وذلك قد يستمر لأشهر طويلة سيما مسألة شُبهة الانتماء للأحزاب الانفصالية اليسارية الكردية والتنظيمات الإسلاموية المُتطرفة , وهنا لدفوع المحامي الوكيل دور ليس مهملاً في تخفيف المعاناة عن المُحتجز سواءً بتسهيل ترحيله أو الإسراع بإخلاء سبيله ومحاكمته طليقاً . ومن الأمور التي مرت معي وكانت سبباً في محاكمة وترحيل عدد من السوريين هي تبادل الأموال والمراسلات المُريبة مع جهات يشتبه بانتمائها لمنظمات إرهابية أو شبهة الانتماء السابق لتنظيم إرهابي في سوريا حتى لو كان الموقوف كان قد نشط في المجال الديني أو الدعوي خصوصاً بمنطقة شمال شرق سوريا خلال سيطرة تنظيم داعش على المنطقة , كإجراء عقود القران الشرعي أو الإشراف على أنشطة المساجد وتقاضي أتعاب عن تلك الأعمال وذلك يُعدّ شُبهة كونه ما يسمى "شرعياً" لدى التنظيم المتطرّف , والجدير بالذكر أن نص قرار الترحيل يحتوي في كثير من الأحيان بعض الإبهام في أسباب الترحيل أو حتى بساطتها وربما تناقضها كالانتماء لتنظيم يساري ويميني في آن معاً ,وقد احتجت في عدة مرات للوصول إلى أسباب الترحيل الحقيقية التفصيلية بطرق غير قضائية .
أما بالنسبة لظروف التوقيف فلاشك أن أي حجز للحرية ليس مِحط مديح لكن توصف تلك الظروف بالمقبولة نسبياً وقياساً على أحوال مراكز توقيف البلاد العربية المُزرية والمُترعة بانتهاكات حقوق الإنسان والعَوز الشديد للمهنية والكثير من الأخلاق والإنسانية في التعامل فضلاً عن تحديد البوصلة المهنية الصحيحة بما يخدم بناء دولة قانون في نفوس الناس قبل كل شيء, فيمكن للمُحتَجز الاتصال بذويه مباشرةً وإبلاغهم مكان وأسباب توقيفه كما يستطيع المحامي زيارة المُحتَجز و إجراء الوكالة القضائية مباشرةً للدفاع عنه .
وبحسب تجربتي المتواضعة فإنني أنصح أبناء الجالية المقيمين بتجنّب أي إشكال أمني أو سخرية من رموز الهوية التركية واستيعاب نمط الحياة التركي, وإذا كانت حرية التعبير مُقدسة وأننا شعب مكلوم لعدم تمكننا من بناء أوطاننا كما أردنا فالواقع المُعاش لكم هو المؤثر المباشر على أرزاقكم وسيرورة حياتكم في تركيا كبلد لجوء , بالإضافة لعدم التردد بتوكيل واستشارة الزملاء المحامين السوريين المشهود لهم بالمهنية العالية و الاحترافية بالعمل عند أي مشكلة تعترضكم, ولا أنسى التأكيد على ضرورة التخلي عن عقلية "زبطتلنا القاضي أستاذ؟!" فالجدير بالذكر أن الجمهورية التركية قد شهدت تقدماً نسبياً لافتاً في مسألة نزاهة واستقلال القضاء ودعم مِرفق العدالة بما هو لائق بدولة قانون تسير نحو ديمقراطية كاملة وإن الانطباع التقليدي لدى أفراد الجالية السورية عن مرافق العدالة يجب تحديثه للأفضل وتقدير أهمية ثقافة الاحتكام للقانون وبناء دولته في سوريا مستقبلاً.
هذا رأيي إلى مَبلغ علمي في ساعته , ولا أحمل أحداً عليه من الناس .
- بعض المواد القانونية ذات الصلة بالأمر .
جاء في العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية
مادة 13
لا يجوز إبعاد الأجنبي المقيم بصفة قانونية في إقليم دولة طرف في هذا العهد إلا تنفيذا لقرار اتخذ وفقا للقانون، وبعد تمكينه، ما لم تحتم دواعي الأمن القومي خلاف ذلك، من عرض الأسباب المؤيدة لعدم إبعاده ومن عرض قضيته على السلطة المختصة أو على من تعينه أو تعينهم خصيصا لذلك، ومن توكيل من يمثله أمامها أو أمامهم.
جاء في اتفاقية الأمم المتحدة الخاصّة باللاجئين 1951
مادة 32
لا تطرد الدولة المتعاقدة لاجئاً مقيماً ببلدها بصورة نظامية إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام .
مادة 33
لا يجوز للدولة المتعاقدة طرد أي لاجئ أو أن ترده بصورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددة فيها لأسباب دينية أو اجتماعية ...وآرائه السياسية .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
قراءة 201 مرات