مقالات

السبت, 11 كانون1/ديسمبر 2021 17:02

الدور المفقود للسلطة القضائية في قانون الإدارة المحلية \ مقال للمحامي الأستاذ عارف الشعّال \ المصدر : مركز حرمون

الدور المفقود للسلطة القضائية في قانون الإدارة المحلية 

المحامي الأستاذ عارف الشعّال 

لا تنهض الديمقراطية في أي مجتمع، من دون احترام ومراعاة لمبدأ “استقلال القضاء”، بحيث تكون ساحات القضاء هي المعترك لفض النزاعات والخصومات التي تنشب في هذا المجتمع، وليس المقصود النزاعات التي تنشب بين أفراد هذا المجتمع فحسب، بل تلك التي تنشب أيضًا بين ممثلي هذا المجتمع والسلطات المختلفة التي تقدم الخدمات له، أو تلك الأجهزة المكلفة بإدارة الدولة ومؤسساتها.

ومبدأ استقلال القضاء هنا ينهض على مرتكزين رئيسيين: أولهما هو استقلال القضاء نفسه عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وضمان عدم تغوّلهما عليه؛ وثانيهما هو تمكين القضاء من لعب دوره الأساسي والقيام بوظيفته الرئيسية في فض النزاعات، وهو ما يعنينا في هذه المقام. أ

وبذلك، يفترض بالسلطة التشريعية، حين تعتزم إصدار قانون لتنظيم فعالية ما تشمل أطراف متعددة، أن تلحظ قيام نزاع بين هذه الأطراف، وتضع آليات مرنة وسريعة لحله بواسطة القضاء، وتمكّنه من ممارسة دوره الأساسي في الدولة، لا أن تمنح سلطة حلّ النزاع لأحد أطرافه، كما فعلت في أحد أهم القوانين في الدولة، وهو قانون الإدارة المحلية الصادر بالمرسوم التشريعي 107 لعام 2011، وهو قانون ذو طبيعة سياسية له حساسية خاصة في النهوض باللامركزية الإدارية في الدولة، بحيث يفترض بالسلطة التشريعية أن تراعي التوازن بين السلطتين التنفيذية والقضائية فيه، وهو ما لم تفعله، فصدر مشوبًا بالخلل على النحو الآتي:

أولًا: منح وزير الإدارة المحلية حق الفيتو على تشكيل المكاتب التنفيذية المنتخبة:

خوَّل قانون الإدارة المحلية، في المادة 27 منه، كلّ مجلس محلي منتخب الحقّ بانتخاب مكتب تنفيذي من بين أعضائه، وظيفته تنفيذ قرارات هذا المجلس، بالإضافة إلى مهمات أخرى، ومن المنطقي أن تقوم السلطة التنفيذية، ممثلة بوزير الإدارة المحلية أو المحافظ، بالمصادقة على هذا الانتخاب بصكّ رسمي يصدره حتى يعطي الصفة لهذا المكتب لممارسة وتسهيل مهماته أمام أجهزة الدولة المختلفة، واحترامًا لإرادة المجلس المنتخب من المواطنين والذي انبثق عنه هذا المكتب، وبحسبان أن الشعب مصدر لكل سلطة، كما نصت المادة الثانية من القانون ذاته، ويفترض أن يكون تصديق الوزير، بوصفه أحد أشخاص السلطة التنفيذية لهذا التشكيل، ذا طابع شكلي بروتوكولي، وأن يلحظ المشرّع تلكؤ أو تقاعس الوزير بهذه المصادقة، ويضع آلية لتجاوزها؛ إذ لا يجوز لشخص أتى إلى منصبه بطريقة التعيين أن يقف حجر عثرة بوجه مجلس أو مكتب منتخب يمثل إرادة الناس، وأن يطبق حكم المادة 17 من القانون نفسه التي تنص على دعوة المجالس المحلية المنتخبة إلى الاجتماع بدورتها الأولى بقرار من الوزير، خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ صدور الصك القانوني بتسمية الأعضاء الفائزين، وتجتمع حكمًا في اليوم السادس عشر إذا لم يصدر قرار دعوتها.

وعلى العكس من هذا النهج، أعطى قانون الإدارة المحلية، في المادة 29/ 7 منه، لوزير الإدارة المحلية صلاحية موضوعية في المصادقة على تشكيل المكاتب التنفيذية، بدليل أنه حظر عليها ممارسة أعمالها قبل هذه المصادقة، وبما أنه لا يجوز لأحد أشخاص السلطة التنفيذية، الذي يشغل منصبه بطريق التعيين، الوقوف بوجه المواطنين وعرقلة عمل ممثليهم المنتخبين، فقد كان يجدر بالمشرع أن يمكّن القضاء من ممارسة دوره، ويقف حكمًا بين الوزير والمكتب المنتخب، بحيث يعطي صلاحية للوزير بالطعن بصحة هذا الانتخاب، أو تشكيل المكتب خلال مهلة زمنية محددة، بدلًا من أن يجعله الخصم والحكم.

ثانيًا: تمتع وزير الإدارة المحلية بحق الفيتو على سحب الثقة من المجالس المنتخبة

عملًا بقاعدة من له حقّ التعيين له حق العزل، أعطى قانون الإدارة المحلية في المادة 115 منه -كنوع من الرقابة الرسمية على عمله- الحق للمجالس المحلية بحجب الثقة عن المكتب التنفيذي، أو عن أحد أعضائه، وهذا أمر منطقي، لأن المكتب التنفيذي وليد المجلس المحلي، ومُعيّن من قبله، وفي إجراء لا يخلو من غرابة علّق القانون، بموجب المادة 116، هذا الإجراء على تصديق وزير الإدارة المحلية، ويتبدّى عدم صواب هذا الإجراء في ناحيتين: الأولى عدم فهم سبب تدخل السلطة التنفيذية ورقابتها على تصرفات مجالس منتخبة؛ والثانية بسبب المصلحة المحتملة للوزير بعدم عزل المكتب التنفيذي، لأن إحدى مهمات المكتب، حسب المادة 38/ 3 من القانون، الرقابة على عمل الأجهزة المحلية في نطاق المحافظة، وتقديم تقارير دورية بشأنها إلى المجلس. ولما كان من بين هذه الأجهزة من هو تابع للوزير نفسه كالمحافظة والبلدية، ولما كان من المرجح أن يكون سبب عزل المكتب التنفيذي تقصيره بمراقبة أو تقديم التقارير عن عمل الجهاز التابع للوزير، فيعرقل عزل المكتب، لأن من مصلحة الوزير والجهاز التابع له حماية المكتب الذي لا يقوم بهذه المهمة، ومن المستغرب أن القانون أعطى هذا الحق للوزير، ولم يمنح أعضاء المكتب التنفيذي المعزول حق الطعن بقرار العزل!

وقضى القانون بأنه في حال عدم التصديق على قرار حجب الثقة يُعاد هذا القرار إلى المجلس الذي أصدره، وفي حال إصرار المجلس عليه، وعدم موافقة الجهة المختصة، يُحال الموضوع إلى مجلس الدولة القسم الاستشاري /الجمعية العمومية/ للبت فيه. ومن المعلوم أن القسم الاستشاري في مجلس الدولة لا يُعتبر قضاء، والرأي الصادر الذي يبديه ليس حكمًا قضائيًا، وسنرى فيما بعد معنى ذلك.

ثالثًا: عدم وجود ضوابط لحل المجالس المنتخبة

بموجب المادة 122، منح القانون رئيسَ الجمهورية، بوصفه رئيسًا للسلطة التنفيذية، صلاحيةَ حلّ المجالس المحلية المختلفة، على أن تتم الانتخابات لمجلس جديد خلال 90 يومًا من تاريخ الحلّ. وفي الواقع، هذه السلطة المطلقة بحلّ مجلس منتخب، من قبل رئيس السلطة التنفيذية دستوريًا، التي تتصادم مع إرادة الناخبين، بدون سبب أو مبررات أو ضوابط أو معايير أو آليات طعن ومراجعة، تطرح تساؤلًا حول مدى استقلال هذه المجالس، وتمتعها بحرية العمل الإداري والخدمي بدون الخشية من إقالتها من قبل السلطة التنفيذية، مما كان يجدر معه بالمشرع وضع ضوابط دقيقة لسلطة الحل هذه، إن كان لها مقتضى بعرض الأمر على القضاء، ليرى فيما إن كان هناك موجبات لحل المجلس، أو فسح المجال للطعن بمرسوم الحل أمام مرجع قضائي مستقل.

رابعًا: صلاحية قضائية للسلطة التنفيذية عند إلغاء عضوية المجالس المنتخبة

نصت المادة 123 من القانون على حالتين لإلغاء عضوية المجالس المنتخبة، هما فقدان ثقة المواطنين بالعضو، أو الغياب غير المبرر عن حضور جلسات المجلس. ورسمت المادة 124 كيفية إلغاء العضوية من قبل المجلس المعني. ولكن اللافت بالأمر أن القانون منح العضو الذي أُلغيت عضويته الحق بالاعتراض على هذا القرار، ليس أمام القضاء، بل أمام السلطة التنفيذية، إما مجلس الوزراء، وإما وزير الإدارة المحلية، بحسب نوع المجلس، ويكون القرار الصادر عن هذه السلطة التنفيذية بالتصديق على إلغاء العضوية أو فسخه مبرمًا، ومن المستغرب فعلًا قيام المشرع بإقصاء القضاء وتهميشه تمامًا كمرجع للطعن بهذه القرارات، وجعلها بيد السلطة التنفيذية، فمن البديهي أن يكون القضاء هو الفيصل بأي نزاع من هذا القبيل مع هيئة منتخبة، ومن الشذوذ بمكان أن يكون لأشخاص السلطة التنفيذية، الذين يشغلون وظيفتهم بطريق التعيين، سلطة قضائية للنظر بقرار هيئة منتخبة تمثل إرادة الشعب.

خامسًا: إسناد دور قضائي للقسم الاستشاري في مجلس الدولة لا يأتلف مع مهامه

ذكرنا في البند ثانيًا أعلاه أن القانون أحال للقسم الاستشاري في مجلس الدولة ليفصل بالخلاف الناشب بين المجلس المحلي ووزير الإدارة المحلية، إذا اعترض على عزل عضو أو أكثر بالمكتب التنفيذي للمجلس، بحسب المادة 116 من القانون، كما احتكم القانون مرة ثانية لهذا القسم من مجلس الدولة، في المادة 117، إذ قضى أنه إذا تعارضت قرارات المجالس المنتخبة مع قوانين الدولة وخططها وأنظمتها، فعلى الوزير المختص أن يطلب إلغاءها أو تعديلها من قبل المجلس الذي أصدرها، فإذا أصرَّ على قراره، يُرفَع الأمر إلى الجمعية العمومية، القسم الاستشاري في مجلس الدولة، ويكون قرارها ملزمًا.

في الواقع، قد يخالُ المرء أن الاحتكام للقسم الاستشاري في مجلس الدولة في الحالتين السابقتين يعدُّ تمكينًا للقضاء للعب دوره في حل هذا النزاع، كون مجلس الدولة يمثل القضاء الإداري في الدولة، وأعضاء القسم الاستشاري فيه هم قضاة إداريون، ولكن الأمر ليس كذلك أبدًا، لأن القسم الاستشاري، وإن كان مكونًا من قضاة إداريين، ليس مخولًا بإصدار أحكام قضائية، وإجراء محاكمات، وإنما عمله إصادر آراء قانونية وفق أوضاع رتبها قانون تشكيل المجلس، خلافًا للقسم الآخر من المجلس، وهو القسم القضائي المكون من محاكم مجلس الدولة، والذي كان يفترض بقانون الإدارة المحلية أن يحيل إليه أي نزاع يحتاج لتدخل قضائي، كما فعل بالمادة 124 منه، ولا يسوغ للقانون إناطة الفصل بالنزاعين المشار إليهما للقسم الاستشاري أن قضاته إداريون، وأن رأيه ملزم لأطراف النزاع، لأن طبيعة نظر القضية أمام هذا القسم ليست كإجراءات نظر الدعوى أمام محاكم القسم القضائي التي تسمع دفوع الأطراف، وتسمح لهم بتبادل اللوائح والمذكرات، ولها إجراء الخبرة وغير ذلك من وسائل القضائية لتقصي الحقيقة، وفي النهاية تصدر حكمًا له شروط شكلية قانونية يجب اتباعها، كما أنه يقبل الطعن بالوسائل العادية وغير العادية، بينما القسم الاستشاري لا يملك شيئًا مما ذُكر، حينما يُستفتى، سوى إصدار رأي بدون اتباع أيّ من هذه الإجراءات أو كفالة الضمانات المحاكمة.

سادسًا: دور قضائي خجول في القانون

عندما صدر القانون في عام 2011، لم يلحظ أي دور لقضاء الحكم في النظر بالنزاعات المختلفة التي يمكن أن تنشب جراء تطبيق أحكامه، ولكن في عام 2020، جرى تعديل لقانون الإدارة المحلية بموجب القانون رقم 13، فلحظ دورًا خجولًا لقضاء الحكم في القانون، أعاد له شيئًا من الاعتبار، حيث كانت المادة 124 من القانون، في القسم الناظم لأحكام عزل عضو أحد المجالس المنتخبة، قد منحت الحق للعضو المعزول أن يعترض على هذا القرار أمام مجلس الوزراء، أو أمام وزير الإدارة المحلية، بحسب نوع المجلس الذي ينتمي إليه العضو المعزول، وقضت هذه المادة بأن القرار الصادر نتيجة هذا الاعتراض يُعتبر مبرمًا، ولا يخفى الشذوذ الذي يكتنفه هذا الحكم؛ إذ أعطى للسلطة التنفيذية صلاحية قضائية، واعتبر قرارها مبرمًا، فأتى التعديل المذكور وصحح هذا الخطأ القانوني الجسيم، واعتبر القرار الصادر عن هذه المراجع قابلًا للطعن أمام القضاء الإداري.

ومن نافل القول أيضًا أن هذا التعديل طال أيضًا المادة 117 السالف ذكرها، والتي كانت تسمح بالطعن بقرارات مجلس المحافظة أو مجلس مدن مركز المحافظة فقط أمام القسم الاستشاري المذكور، أما باقي المجالس، فيطعن بقراراتها أمام وزير الإدارة المحلية، ويُعتبر قراره في هذا الطعن مبرمًا. ونظرًا للشذوذ التشريعي الواضح في هذا النص، فقد طال تعديل قانون الإدارة المحلية المذكور هذا النص أيضًا، وأعاد للقضاء شيئًا من اعتباره.

سابعًا: صلاحية قضائية غريبة لمنصبي المحافظ ومدير المنطقة

منح القانون، في المادة 44/ 8 منه، للمحافظ، وكذلك مدير المنطقة في المادة 79، سلطة القيام بوظيفة الضابطة العدلية في ما يتعلق بالجرم المشهود، كما هو منصوص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهذا أمر مستساغ نظرًا لأن هذين المنصبين يعتبران من مساعدي النائب العام أصلًا، وبالنظر إلى طبيعة الجرم المشهود التي تقتضي سرعة ضبط الأدلة والتحفظ على المشتبه بهم، ولكن من المستغرب أن القانون منحهما، فوق ذلك أيضًا، سلطة إجراء التحقيق في (الجرائم غير المشهودة)، وهذا التفويض يُعتبر طغيانًا على السلطة القضائية المنوط بها صلاحية التحقيق بالجرائم. وبموجب هذا النص، لا شيء يمنعهما من الناحية النظرية من التحقيق بجريمة تزوير مضى عليها عدة سنوات، ما يُعتبر تغوّلًا على السلطة القضائية المنوط بها وحدها هذه الصلاحية بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وأخيرًا، إن استئثار السلطة التنفيذية بصلاحيات قضائية، وتصديها لفض نزاعات بين أحد أجهزتها ومجالس منتخبة تمثل إرادة الشعب، وعدم تمكين السلطة القضائية ممثلة بـ “قضاء الحكم” من ممارسة وظيفتها وإناطتها لقسم استشاري، يجعل من مبدأ فصل السلطات، وتمكين كل سلطة من ممارسة دورها، في مهب الريح، ولا يسهم في بناء دولة القانون والمؤسسات، في حين أن توزيع وظائف الدولة بالتعادل بين سلطاتها الثلاث، وتمكينها من ممارسة صلاحيتها، ومنع إحداها من الانفـراد بالحكم وممارسة وظيفة السلطة الأخرى، وأن تقوم كل سلطة بمراقبة الأخرى، هو جوهر المبادئ التي تقوم عليها دولة القانون مثل “فصل السلطات”، و”السلطة تحدُّها سلطة” و”تمكين القضاء من ممارسة دوره”، وبهذا تتحقق مصالح الشعب، ما يقتضي إعادة النظر بالقانون وإعادة الاعتبار لمكانة السلطة القضائية فيه، إضافة إلى مسائل جوهرية أخرى يطول بحثها في هذا المقال.

المصدر : مركز حرمون  https://www.harmoon.org/reports/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%82%d9%88%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88/?fbclid=IwAR1Ocu889SJl162qsLAy6QcO1UPBCdc-7fUdDTUYbj4zMSWw_O3Kyc4CT_Y

قراءة 395 مرات آخر تعديل على السبت, 11 كانون1/ديسمبر 2021 17:08