مقالات

الخميس, 17 شباط/فبراير 2022 10:41

الفاشيون قادمون - مقال رأي للزميل غزوان قرنفل مدير التجمع - منشور في موقع أورينت نت

 

تبشّرنا العبارات العنصرية التي كُتبت على جدران بعض مناطق مدينة مرسين التركية بانتقال عتبة المواقف والسلوك العنصريين تجاه اللاجئين العرب، والسوريين منهم على وجه الخصوص إلى مستوى جديد غير مسبوق يؤشر إلى مستويات احتقان عالية ورفض للاجئين مقرون بتهديدات نازية، وهي نتيجة متوقعة لبلادة غير طبيعية للتعاطي الحكومي مع مجمل خطاب الكراهية والتحريض الذي استولد عبر عدة سنوات سابقة سلوكيات إجرامية واعتداءات وجرائم قتل بحق لاجئين سوريين لم تلقَ حزماً حقيقياً من الحكومة تجاهها .  في مرسين التي اختارها هذه المرة العنصريون لتكون صندوق بريدهم إلى اللاجئين كتب العنصريون إلى جانب شعار النازية عبارات ( ستكون مرسين مقبرة للعرب )  و ( الفاشيون هنا  ) وهي رسالة قاسية بطبيعة الحال تشي باستعداد هؤلاء لممارسة كل أشكال العنف والجريمة بهدف استئصال اللاجئين ومحو وجودهم ليس من تلك المدينة التي لم تقع فيها حوادث تذكر من هذا القبيل طوال السنوات العشر الماضية، بل من تركيا كلها.

وكان ملمحاً إيجابياً استجابة النائبة المعارضة في البرلمان التركي تولاي حاتم أوغلو وسرعة تقديمها مذكرة  لوزير الداخلية التركية طالبته فيها بالإجابة عن أسئلة من قبيل: من هي الجهة التي تقف وراء هذا العمل؟ ولمصلحة من؟ وهل تم فتح تحقيق في الحادثة؟ وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها بشأن جرائم الكراهية التي حدثت سابقاً؟ وهل تم تحديد مرتكبيها ومحاسبتهم ؟ .. فيما لم نسمع موقفاً أو تصريحاً حكومياً بشأن تلك الواقعة الخطيرة حتى تاريخ كتابة هذه السطور على الأقل (!) .  تزامنت تلك الواقعة مع مؤتمرين يعقدان على التوالي في إسطنبول مابين 8 – 11 شباط الجاري أحدهما حول ( التشبيك الدولي للمنظمات غير الحكومية حول قضايا الهجرة والحماية الدولية ) والثاني ( مؤتمر دولي حول الممارسات الجيدة في مجال الهجرة  )، سيتكرر انعقادهما في أنقرة أيضاً في الفترة من 15 – 18 شباط الجاري، وهو حراك حقوقي مهم يسعى لسماع وتدارس أفضل الخيارات والسبل لتطوير آليات التعاطي مع ملف اللاجئين الذي صار يحتلّ صدارة أحد ثلاثة ملفات ضاغطة على الحكومة التركية قبيل الاستحقاق الانتخابي الثلاثي في مئوية تأسيس الجمهورية التي توافق عام 2023، أحد تلك الملفات هو ملف اللاجئين والخطاب العنصري المتصاعد الذي أخذ يُحدث شرخاً مرعباً في البنية المجتمعية ويهدّد فرص التعايش والمساكنة بين مجتمع ملجأ يتصاعد لديه الحنق من سياسات حكومته ويرى في اللاجئين متنفساً لتنفيس غضبه، ومجتمع اللاجئين المتوجس من تكرار مشهد الاعتداءات العنصرية وارتفاع عدد ضحاياه  .

ؤكد ذلك ما يؤشر إليه تقرير أصدرته مؤسسة الديمقراطية الاجتماعية في تركيا حول موقف المجتمع التركي من اللاجئين، حيث أكد 55.4 % من المستطلعة آراؤهم وجوب عودة السوريين إلى بلادهم، فيما يعتقد 45.5 %  أن السوريين خطرون وسيسبّبون مشاكل في المستقبل (!) .  واللافت أن ثمة تقارباً في نسب الرافضين لوجود السوريين بين المستطلعة آراؤهم من أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم وناخبيه حيث بلغت نسبتهم 42.6 %،  وبين أنصار وناخبي أحزاب المعارضة التركية حيث بلغت النسبة 50% (!)،  لكن الأخطر هو أن من يعتقدون أنهم لن يعيشوا بسلام مع السوريين بلغت نسبتهم 80.1 %،  وهو مؤشر غاية في الخطورة لا يبشّر بأي فرصة لتحقيق حد أدنى من الاندماج المأمول، فضلاً عن إشاعة الشعور بالطمأنينة والاستقرار عند اللاجئين .


والمؤسف أن المقاربة الحكومية لأوضاع اللاجئين لا تزال تقف عند حافة تناول قضايا تبدو هامشية بالقياس للسياق العام لأوضاع اللاجئين ومآلاته .. فالمسألة لا تتعلق فقط بإذن سفر يُمنح ويُحجب عن طلابه بمزاجية عجائبية، ولا بإذن عمل لا يُمنح إلا بشقّ الأنفس رغم أن اللاجئين يُفترض أن يعملوا ليكسبوا لقمة عيشهم لا أن يرحَّلوا إن تكسّبوا بلا إذن عمل (!) .. المسألة صارت أكبر من تلك الهموم على أهميتها، المسألة صارت موجات ترحيل قسرية واعتباطية ومزاجية تأخذ في طريقها كل ذي حظ عاثر أوجدته الظروف في المكان والزمان الخاطئين فوجد نفسه فجأة في مناطق شمال سوريا  .  المسألة صارت اعتداءات وهجمات عنصرية غير عفوية يتم ارتكابها على إيقاع تصريحات وتشويش وتحريض إعلامي ممنهج تضطلع به شخصيات سياسية وقنوات تضليلية وتصريحات غبية تجعل السوري هدفاً ووقوداً لها وكأنها مجرد مِران على ما قد يحصل مستقبلاً لا قدّر الله في ضوء مضامين رسائل جدران مرسين الأخيرة  .   ( الفاشيون هنا ) ليست رسالة عنصرية للاجئين فحسب، هي رسالة للمجتمع التركي وللمنظمات والنقابات والجمعيات الأهلية والفعاليات المجتمعية أن ثمة دوراً تأخّر القيام به ويجب القيام به الآن دون تأخير، بما يساعد على عدم الانزلاق نحو هوة التطرف التي تخلّف ضرراً مديداً على المجتمع التركي نفسه قبل أي أحد آخر .. وهي قبل ذلك وبعده جرس إنذار للحكومة التركية التي يتعين عليها اليوم أن تدرك حجم المخاطر دون تهويل أو تهوين، وأن تضع خطط الاستجابة الطارئة لموجبات ذلك بعد أن تهاونت كثيراً في مواجهة خطاب الكراهية الموغل في عنصرية قومية بغيضة، وما تأتى عنه من إفرازات جرمية فردية وجماعية بحق اللاجئين السوريين كما حصل في أنقرة مؤخراً وفي عدة ولايات أخرى قبل تلك الموقعة وبعدها.

قراءة 276 مرات آخر تعديل على الخميس, 17 شباط/فبراير 2022 10:48