مقالات

الجمعة, 08 نيسان/أبريل 2022 07:48

السوري الذي يجب أن لا يشعر بالاستقرار في تركيا !! مقال حول الأوضاع القانونية للسوريين في تركيا - بقلم المحامي غزوان قرنفل مدير تجمع المحامين السوريين

 

  منذ بدء تدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا التي أعقبت استخدام ميليشيا أسد سلاح الطيران والصواريخ ضد المدن والبلدات الآهلة بالسكان، في محاولة بحث من هؤلاء عن ملاذ آمن افترضوا أنه سيكون قصير الأمد، إذ لايعقل أن يشاهد المجتمع الدولي هذا المستوى غير المسبوق في الإجرام والاستباحة العلنية لحياة المدنيين دون أن يكون له موقفا حازما تجاه السلطة التي تفعل ذلك جهارا نهارا دون أي خوف من العواقب ليتبين له أن في المآل أن استباحة حياة السوريين ليست سببا كافيا لتغيير السلطة الحاكمة، وأن تغيير الشعب بدلا من تغيير النظام ربما يكون حلا أكثر معقولية فلطالما كان هذا النظام نقطة ارتكاز مهمة في خريطة الخدمات الوظيفية الإقليمية والدولية فهو حاجة أمنية إسرائيلية أثبت نجاعته بأداء موجباتها خلال نصف قرن (!).

 

  منذ تلك اللحظة طرأ وضع جديد على الدولة والمجتمع التركيين واجهته السلطات التركية باستجابة معقولة آنذاك حيث منحت بطاقة الحماية الصادرة عن إدارة الكوارث والطوارىء التركية (آفاد) لمن يرغب بها والإقامة المؤقتة (الدفتر الأزرق) لمن يرغب أيضا، أعقب ذلك بفترة ومع تزايد أعداد اللاجئين أصدرت قانون الحماية المؤقتة وأخضعت السوريين لأحكامه وأنشأت مديرية الهجرة وأناطت بها معالجة شؤون السوريين القانونية ومسألة إصدار بطاقات الحماية فضلا عن الإقامات السياحية وغيرها من أنواع الاقامات وهنا بدأت فعليا المشاكل والعقبات التي بدأت تتفاقم وتتمظهر بأشكال مختلفة بين الحين والآخر بشكل جعل الاستجابة للموجبات والمقتضيات التي يتطلبها تكييف أوضاع السوريين مع كل مستحدث من الإجراءات عبئا مرهقا للسوريين ولدائرة الهجرة نفسها، فمرة يجب استبدال بطاقات الحماية بهدف تغيير الرقم الوطني ( TC ) ليبدأ برقم ( 99 ) بدلا من ( 88 ) على اعتبار أن السيستم لايتقبل الرمز الأخير (!) باعتباره يخص ( آفاد ) لا دائرة الهجرة  .. ومرة يجب استبدال نموذج بطاقة الحماية بكليته ، وثالثة يجب أن تكون البطاقة ممهورة بختم الدائرة .. ثم صار يتعين على السوريين ممن هم تحت الحماية أن يقوموا بتحديث بياناتهم وبعدها عليهم أن يحدثوا عناوين اقامتهم في دوائر النفوس المسجلين بها ، تلاها تغيير يوجب تحديث وتثبيت العناوين في دائرة الهجرة نفسها بدلا من دوائر النفوس ويجب أن يتم ذلك بحجز موعد الكتروني ضمن مدد زمنية محددة لم تسمح آلية الحجز الالكتروني للمواعيد بحجز مواعيد ضمن تلك المدد فكان على اللاجىء أن يدفع الثمن مجددا بإيقاف قيود الكيمليك لمن حدّث ولمن لم يحدّث عقابا على تجرؤ 20% منهم على التأخر في إتمام عملية التحديث وتثبيت العناوين ضمن المهلة المقررة والتي أصر السيستم – وليس اللاجئين - أن لايستجيب لها  (!!!!! ). 

  خلال تلك الرحلة العجائبية التي نرويها لم يخل الأمر من حملات ترحيل منظمة وأخرى اعتباطية لكن كلها لم تكن طوعية بطبيعة الحال غالبا ماكانت تتزامن أو تعقب ضغوط حملات مكثفة عبر الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من بعض رموز المعارضة التركية وأنصارها ، تغذيها بعض التصريحات الحكومية التي سأكتفي بالقول أنها لم تكن رشيدة، في استجابة حكومية غير طبيعية واعية أو غير واعية لابتزاز الشارع التركي المعارض وخطابه النابذ للاجئين السوريين والرافض لبقائهم في تركيا ، في سباق بين الفريقين على استثمار ورقة اللاجئين في الصراع السياسي الداخلي وكان السوري وحده فقط من يتعين عليه سداد فاتورة هذا الصراع  .

  اليوم مضى على وجود السوريين في تركيا عقد كامل دون أن يشعروا بإمكانية بناء فرصة استقرار حقيقية تمكنهم من العيش بسلام داخلي وطمأنينة والتأسيس لحياة جديدة  ، لاتزال حياتهم محكومة بانعدام مركز قانوني يضمن لهم ذلك .. ومحكومة بمزاجية الحكومة وروتينها ومايستجد على بالها من تحولات في الموقف من قضية اللاجئين ومعالجاته وما يعنّ على رأس إدارييها من إجراءات يرون – أو يعتقدون – أنها تسهم في ترتيب أوضاع اللاجئين السوريين في حين أنها حقيقة تجعل حياتهم جحيما وتجعلهم قلقين أكثر على مستقرهم وعلى إمكانية الاستمرار في هذا الوضع القلق وتعنّ على بالهم التساؤلات : ماهو مصيرنا هنا ؟؟ ماهو مصير ومستقبل أبنائنا الذين يدرسون في مدارس وجامعات تركيا ؟؟ ماهو مصير اموالنا واستثماراتنا في ظل هذا التأرجح في أوضاعنا ؟؟ هل يجب علينا المخاطرة بركوب البحر ؟؟ أم علينا البحث عن ملاذ آخر ربما يكون أكثر طمأنينة واستقرارا لحياتنا المتوترة القلقة ؟؟!!! .. وهناك دوما تردد في حسم القرار فليس سهلا أن تتخذ قرارا مرة أخرى باقتلاع نفسك وعائلتك من تربة زرعتها فيها ، افترضتها يوما تربة صالحة لاستنبات مستقبل ليصدمك الواقع وتتعرى الحقائق أن لاشيء يشي بصوابية ذلك . 

  عقد كامل مضى دون أن تتمكن دولة بحجم تركيا أن توفر مستقرا آمنا لبضع ملايين من البشر أو تكيّف وضعا قانونيا لهم يسمح بذلك ويفتح أمامهم سبل الاندماج والتكيف .. أو ربما هي لاتريد ذلك . 

  تنبئنا المعلومات أن مفوضية شؤون اللاجئين الأممية أنفقت فقط خلال العامين 2020 و 2021 على ملف اللاجئين السوريين فقط في تركيا مبلغا قدره خمسة مليارات وخمسمائة مليون دولار هذا بخلاف ماتتحصل عليه تركيا من منح ومعونات لإدارة ملف اللاجئين من الاتحاد الأوروبي وإذا ماتفحّصنا الأثر الذي يفترض أن تحدثه البرامج المتعلقة بدعم وخدمة قضايا اللاجئين والذي يفترض أن يكون أحدث فارقا واضحا في طبيعة ومستوى حياة أولئك اللاجئين بالنظر لضخامة المبالغ المخصصة لذلك ، لا تجد  ولا تلمس أي أثر ملحوظ بل ربما على العكس تماما تجد في بعض الأحيان تراجعا وانحدارا في طبيعة ومستوى تلك الخدمات وآلية تطبيقها  ما ينعكس سلبا على أوضاع اللاجئين بشكل عام  .

 فلا فرص عمل جديدة ولا قوننة لأوضاع العمال ولا تناسبا بين جهدهم وأجورهم  .. ولا تطورا جديدا في ملف المعلمين السوريين الذين تم الاستغناء عنهم وعن خدماتهم بطريقة مشينة مع بقاء المعلمين الأتراك على رأس عملهم في برنامج إدماج الطلبة السوريين مع أقرانهم الأتراك وتلقي رواتبهم من ( اليونيسيف) المؤسسة الدولية الداعمة للمشروع (!) ولا ارتقاء في مستوى الخدمات التي تقدمها مديريات الهجرة التي يحتاج بعض موظفيها لإعادة تأهيل وظيفي على الأقل في طريقة التعامل اللبق مع عموم الأجانب المراجعين وفي مقدمتهم السوريين باعتبارها  واحدة من واجهات البلد الرسمية التي يتعامل معها الأجنبي ومن المهم أن تعكس رقيا في تعاملها مع الآخر الزائر أو المقيم  . 

 إذا ماقيمة كل ذلك الإنفاق وتلك البرامج إن لم يكن لها أثر واضح وملحوظ ومحسوس من قبل اللاجئين أنفسهم ؟؟ ولو أن المفوضية أنفقت تلك المبالغ على برامج إعادة التوطين لكان أثرها أكثر تبديا وجدوى ولأراحت المجتمع التركي النابذ للسوريين من كل هذا الجدل والشحن العنصري والخطاب التعبوي المشبع بالكراهية .. لكن بكل أسف يد المفوضية مغلولة .. وحال السوريين من سيء لأسوأ  ولسان حال الحكومة والمعارضة معا يقول : أيها السوري لن نقبل أن تكون بلدنا معبرا لك نحو حياة جديدة ، ولن نقبل أيضا أن نجعلها مستقرا لك . 

المقال منشور في موقع أورينت نت وهذا رابط المصدر :  https://orient-news.net/ar/news_show/196657?fbclid=IwAR1GhQqCpBTK54oOc_aYUjHbZjO7uV0NcHnAm457RlMOk6pXpwd9otC4AMU

قراءة 303 مرات آخر تعديل على الجمعة, 08 نيسان/أبريل 2022 08:00